رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : سَاعاتُ الحِصَار- كُنتُ هُناك

تتلقَفُك صورة “الرجل الكبير” بالحجم الطبيعي و بلا ألوان -لكنها غير باهتة- حين تصعد الدرجات علي قدميك (المصعد في أغلب الأحوال إما مُعطلٌ أو ممنوعٌ إستخدامه للتأخر في سداد الإيجار لكن حارس العقار الهَرِم الطيب دائماً ما يخالف تعليمات المالك و يُدير المصعد لأصحاب الصحة المُعتلة من أمثال العبد لله)..قُل في صاحب الصورة ما تشاء..إتفق معه فإعشقه أو إختلف فإنتقده، لكن يبقي عشقك له و النقد مدفوعاً برغبةٍ في البحث مُفعمةٍ بحفز الأفكار الدافقة الممزوجة بِوَحيٍ من نوستالجيا زمنٍ مضي. 

مررنا أمام صاحب الصورة في الواحدة و النصف من بعد ظهر ذلك اليوم..أربعة كُنا: “فارس” الديبلوماسية و السلاح و القلم، و إبنةُ “الصِدِّيق” ثم زوجة “الأشرف” و العبد لله..عناقٌ حارٌ لمن إستقبلنا بترحاب من رفاق نضال الشارع الذي كاد أن ينساه الزمن لولا بعضٌ من هتافاتٍ مازالت عالقة بالذاكرة الخمسينية المُتعَبة تأتي موسيقاها خافتةٌ في خلفية كرم أصحاب الدار “عيش-حرية-الجُزر دي مصرية”..أتانا “عم سامي” بقليلٍ من الشاي في أكواب فقيرة كشأن كل شيئ هناك..المقاعد و السجاد و المكاتب و الصور و الأوراق كلها رقيقة الحال لكنها عريقة تحتويك في أريحية تشعر معها كأنك في بيت العائلة القديم..مشاعرُ غامضة مُتَرَقبةٌ لشيئ ما تكتنفنا جميعاً في هدوءٌ مُريب..لم نُكمل رشفتين من شاي “عم سامي” إلا و القيامة من حولنا تستعر..بناتٌ و شباب يملئون فراغ المكان..هتافاتٌ إختلطت بصرخات هَلعٍ مُلتاعة..”إقفلوا الباب، الداخلية ورانا”..أغلق فتياننا الباب علي من لاذوا بنا و منعوا دخول المُتشحين بالسواد الذين ما لبثوا أن هبطوا من حيث أتوا لتبدأ ساعاتُ حصارٍ لمدخل البناية رقم ٧ بشارع الموسيقار “علي إسماعيل”، و ما أدراك ما “علي إسماعيل” (موسيقي أفلام “الأرض” و “العصفور” و أغنيات “دع سمائي” و “فدائي” و “رايحين شايلين في إيدنا سلاح” و “أُم البطل”)..بدأ الفتيان في جمع القليل من المال لشراء بعض من طعامٍ حال الحصار دون الإتيان به..جلساتُ نقاش هنا و هناك..مفاوضاتٌ تُجري و مطالبُ بتسليم البعض مقابل فض الحصار، لكن هل “للكرامة” أن تَرُدَ من لاذَ بها خائباً؟

إنقضي اليوم..مضت ساعاتٌ بدت كالدهر تجمد فيها الزمن..بوادر إنفراجة..تحلحل الموقف بعض الشيئ..سُمِحَ لفتياننا أن يأتوا بقليلٍ من الطعام..أتانا أعزاء من رفاق درب الثورة للتضامن..نجحت المفاوضات و إنفض الحصار دون خسائر..غادر كل من لاذ “بالكرامة” مُعززاً مُطمئناً، فأغلقنا الباب و مضي كلٌ إلي غايته.

 

 

التعليقات
press-day.png