رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : ٤ شارع «عبد الخالق ثروت»

"يقتل الحرية في الصدور ويطفئ جذوة الحمية في القلوب ويملأ المعاقل والسجون من الأحرار، ويجعل جزاء الهتاف للإستقلال الإعدام بالحديد والنار"..هكذا وصف "سعد زغلول" الطاغية الذي إقترن إسمه -ياللمصادفة- بعد ما يزيد عن القرن من عمر الزمان بمبعث نور الحريات..

لم يكن يخطر ببال أي من الوطنيين في ذلك الوقت أن يأتي علي أحفاد أحفادهم يومٌ يتواعدون فيه للقاءٍ بشارع يحمل إسم أول من حاول قصف أقلام هؤلاء الأجداد العظام. يُروي أنه في عام 1896 إستطاع الشيخ "علي يوسف" صاحب جريدة "المؤيد" أن يحصل علي تلغراف سري للغاية من الجنرال "كتشنر" لوزير الحربية يخبره عن أحوال الجيش المصري البائسة بالسودان و عدد الإصابات و الوفيات بعد تفشي داء الكوليرا، فلما وقع التلغراف بين يدي الشيخ قام بترجمته و نشره "بالمؤيد" في "خبطة" صحفية غير مسبوقة لتقوم قيامة الجيش الإنجليزي الذي أقام دعوى ضد صاحب الجريدة لإغلاقها و العصف بصاحبها و نفيه إلا أن المحكمة قامت بتبرئة الرجل و جريدته، أما المفارقة التاريخية فتَكمُن في أن مَن مَثلَ جيش الإحتلال مُترافعاً عنه في واحدة من أوليات قضايا النشر في العصر الحديث كان القانوني الشاب سكرتير النائب العمومي "عبد الخالق ثروت" لتبدأ بعدها مسيرة عار الرجل مع الصحافة و الصحفيين تحت ظل الإحتلال.

مما يجدر ذكره أيضاً في سياق يبدو كما لو كان مختلفاً لكنه –في الحقيقة- شديد الإتصال، أن "عبد الخالق ثروت" كان يشغل في 1910 منصب النائب العام، و قد وجه حينها تهمة "الجريمة السياسية" طالباً الإعدام لغزال البر "إبراهيم الورداني" إثر إغتياله لخائن الأمة الأعظم "بطرس غالي"، و عندما أُحيل الحكم الي المفتي كان قراره هو رفض الإعدام (ملحوظة علي الهامش: صدر هذا الحكم وقت كان "سعد زغلول" وزيراً للحقانية و كان المُعترض الوحيد عليه حينذاك واحد من أنبل سياسيي مصر و هو "محمد فريد" فكان نصيبه النفي إلي خارج البلاد.."النفي"..يالها من عقوبة).

كان لإقدام "غزال البر" علي قتل "خائن الأمة" أربع أسباب: أولاً-قِيامه بالحكم كرئيس للمحكمة علي فلاحي دنشواي ظلماً و بهتاناً قبل هذا التاريخ بأربع سنوات لم تبارح ذكراها الحزينة عقول و قلوب المصريين حتي الآن، ثانياً-قِيامه بتوقيع إتفاقية مع الإنجليز ليشاركوا مصر في حكم السودان، ثالثاً-قِيامه بإعداد مشروع لمد إمتياز قناة السويس لأربعين عاماً أخري تنتهي في 2008 بدلاً من  1968 و لولا أن قام "محمد فريد" ("محمد فريد" مرة أخري) بفضحه و نشر المشروع بجريدة اللواء، لكنا نحتفل الآن بمرور ثمان سنوات علي إنتهاء إمتياز القناة إن لم يؤممها "ناصر" في 1956، رابعاً-قِيامه بإعادة إصدار قانون المطبوعات للسيطرة علي الصحافة و قمع حريات الصحفيين الذين كانوا يعارضون الخديوي "عباس حلمي" و حينها قام "محمد فريد" ("محمد فريد" مرة ثالثة) بنفسه بتقديم عريضة إحتجاج للخديوي علي هذا القانون القمعي.

عُين "ثروت" وزيراً للحقانية في 1914 ثم قَبِل التعيين رئيساً للوزراء في 1922 بالمخالفة لما أجمع عليه الوطنيون المصريون من رفض التعيين بهذا المنصب كنوع من الضغط علي الإنجليز للقبول بالتفاوض لأجل الإستقلال بعدما ظل هذا المنصب شاغراً لمدة شهرين إثر إستقالة زعيم الأحرار الدستوريين "عدلي يكن" (و مَن للمُحتل سوي "عبد الخالق ثروت"). كان "ثروت" يُمعن -مدعوماً من الإنجليز- في مصادرة حرية الصحافة للدرجة التي حدت بأن يصف مراسل صحيفة "الديلي هيرالد" وضع المهنة قائلاً: "إن صحف مصر سواء كانت وطنية أو إنجليزية مُكَمَمَة تماماً، و أن جميع المعلومات التي تستقيها كل الصحف تقريباً تصدر عن رجلين أو ثلاثة يعبرون عن سياسة المندوب السامي البريطاني و عبد الخالق ثروت".

أظن أن عدو الصحافة الأول -و هو بالتأكيد ليس الأخير- يتململ ضجراً في قبره مما يحدث بمصر هذه الأيام..أكاد أن ألمح وجهه وسط من أحاطوا بمبعث نور الحريات الكائن بالمبني رقم 4 من الشارع الذي يحمل إسمه هاتفاً مع جوقة العَجَب البائس: "يا صحافة إتلَمي إتلَمي".

ملحوظة ليست أبداً علي الهامش: "إينما تكون قضايا الوطن، فَثَم وجه الصحافة"..و تبقي "تيران و صنافير" مصريتان.

التعليقات
press-day.png