رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

عاطف حلمي يكتب : لامؤاخذة

كلمة "لامؤاخذة" ... ارتبطت بحالة الجهل التي ترسخت خلال العقود الماضية بفعل فاعل، حتى أنها كثيراً ما تخرج تلقائياً من بعض الأشخاص دون إدراك، فعلى سبيل المثال نجد مواطناً يتصل بأحد شيوخ الفضائيات ليخبره أن "جاره لامؤاخذة مسيحي بس طيب، فهل يجوز تهنئته بالعيد أم لا؟"، أو أن يصف شخص الطريق لشخص آخر وهو يشير بيده " أنت تمشي لغاية لمؤاخذة الكنيسة اللي هناك وبعدين تدخل يمين"، وغيرها الكثير من اللامؤخذات.

فضيحة

وظلت مثل هذه الحالات تطرح تساؤلات حول مصدرها ومن زرع بذور تخلفها في مجتمعنا، حتى شاهدت بأم عيني لامؤاخذات من الحجم التقيل والعجيب والغريب، من أبرزها تلك اللامؤاخذة الفضيحة التي شهدها ميدان التحرير يوم 25 ابريل عندما احتفل بعض الأشخاص في ذكرى تحرير سيناء، وهم يرفعون أعلام السعودية ويعلنون فرحتهم بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، ولو أمكن فلامانع من التفريط في أبوالهول ذات نفسه.

"صباع"

وجاءت اللامؤاخذة السوبر اللي محصلتش أثناء الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين رداً على اقتحام الداخلية للنقابة، وكانت هذه اللامؤاخذة جديدة ومبتكرة ... "لامؤاخذة بصباع"، أي والله "بصباع" تم رفعه بشكل فاضح وخادش للحياء أمام الجميع وفي حماية الشرطة نفسها، وهنا أدركت أن حالة الجهل التي تهيمن على المجتمع من خلال ظاهرة "اللامؤاخذة" هي بفعل فاعل يستغلها ويوظفها كما يشاء، وهؤلاء الذين يشاركون في التنفيذ لاحول لهم ولا قوة بل هم ضحايا أنظمة تعمدت ترسيخ الجهل في عقولهم حتى يتم استغلالهم.

 

فقر

هذه الظاهر تكشف عن أن الفقر وتدهور الاقتصاد ليس القضية الرئيسية، بل المصيبة في الجهل الذي تربى وترعرع في عهد مبارك، ولايزال حتى الآن يجد من يستخدمه لضرب أي حراك وطني.

 

جهل

وأذكر أننا عندما كنا ندرس في مراحل التعليم المختلفة، في أواخر السبعينيات وحتى مطلع التسعينيات، تشكل لدينا تدريجيا الوعي بالفوارق الطبقية، فرغم أن معظمنا كان ينتمى إلى ما يمكن وصفه بالطبقة الوسطى التي تآكلت وانقرضت الآن، إلا أنه كانت هناك بعض الحالات تعاني الفقر الشديد، ورغم ذلك لم يمنع الفقر هؤلاء من التفوق الدراسي والحصول على أعلى الشهادات وبشكل أفضل من أقرانهم ممن لديهم يسر مادي.

 إذن مشكلتنا ليست بالدرجة في الفقر أو الاقتصاد، ولكنها في الجهل حتى إن خريجي الجامعة الآن أصبحوا أنصاف متعلمين نادراً ما يقرأون كتاباً ذي قيمة، وبعد ست سنوات في الابتدائي وثلاث في الإعدادي وثلاث في الثانوي، وأربع سنوات على الأقل في الجامعة، نراهم يكتبون "صومن مقبولن" بدلاً من "صومٌ مقبولٌ" أو "سدآني" بدلاً من "صدقني"، وغيرها الكثير من الكوارث التي تعكس حجم مناخ الجهل الذي رسخه نظام مبارك مع سبق الإصرار والتعمد.

 

خيانة

لذلك لايجب علينا أن نكون قساة في الحكم على هؤلاء أصحاب "اللامؤاخذة" العادية أو "اللامؤاخذة أم صباع" الذين سوف نراهم كثيراً في الفترة المقبلة فهذا موسمهم، بل الأجدر أن نحاسب الأنظمة التي ترسخ الجهل وتستغل هؤلاء الضحايا من أجل احكام قبضتها البوليسية على شعوبها، فهذه جريمة ترقى إلى درجة الخيانة العظمى للوطن.

 

 

التعليقات
press-day.png