رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : الثورة المُضَادة – الجزء الثاني

تميزت ثورات القاهرة / مصر الشعبية علي مدار التاريخ بملامح أساسية تتلخص في كونها ثورات "عفوية" تخرج فيها الجموع الشعبية بلا "تنظيم" يتحرك معها (و لا أقول يصنعها) و يسهم في بلورة أهدافها و تصعيد وتيرتها بخُطي متوالية مدروسة. و لعل هذا ما دعي كل القوي المضادة لهذه الثورات إلي ضرب أي "تنظيم" وليد يُخشي بأسه في المهد و بقسوة بالغة. و هي أيضاً ثورات "مُباشرة" ذات مطالب إقتصادية واضحة تتمحور حول العيش/الحياة دون أن يكون هناك رابط بين الصيغة المطلبية الإقتصادية و الصيغة السياسية للحريات بسبب غياب "التنظيم". و لعل هذا –أيضاً- ما دعي كل الطُغم الحاكمة التي أتت بعد الثورات مباشرةً إلي الفصل بين هذين الأمرين (المطالب الإقتصادية و المطالب السياسية) و التعامل مع كل منها بمعزل عن الآخر من خلال "مَنح" مكاسب ضيقة و محدودة للغاية في مساراتٍ غير مُتلاقية لهذين الأمرين و خالية من أي محتوىً إجتماعي يصهرهما سوياً في سياقٍ مُدمجٍ و مُتصل بشكل عضوي. أما الملمح الأخير لثورات القاهرة علي مدار التاريخ فهو أنها ثورات "سلمية" تحرص علي سلامة الوطن من حدود و شعب و مؤسسات.

يأخذنا التأمل في الملامح الثلاث الكامنة لثورات القاهرة/مصر الشعبية (العفوية-المطلبية-السلمية) الي دراسة تأثير تلك الملامح علي مدي نجاح الثورات أو فشلها، أو للدقة فلنقل إستكمال أو تعويق مسارها. و لكي يمكن للدراسة أن تؤتي أُكُلها لابد لنا من فهمٍ واعٍ للتركيب المجتمعي في ثلاث مراحل للثورة: "مرحلة ما قبل الذروة" و هي تمثل المقدمات و الدوافع الموضوعية لها، و "مرحلة الذروة" و هي تمثل لحظة التجلي أو النشوة التي تتمظهر في أحداث تعلن زمنياً إنتهاء حقبة ما و بداية حقبة يؤمل -حينها- أن تكون مختلفة، ثم "مرحلة التثبيت" التي أحسبها تمثل أهم مراحل الثورة علي الإطلاق حيث صراع القوي المُتنافرة فيما بعد الذروة علي الظفر بالثمار. و في هذا السياق أجد أن من واجب من توافرت له قُدرة التفحص العلمي ألا يتخاذل عن ذلك الفعل في تحليل ثورة مصر الشعبية ٢٠١١ التي لم تُحسم أهم مراحلها حتي الآن حيث الصراع مازال مُحتدماً مع عناصر الثورة المضادة. لن أستفيض في سرد و تحليل ما حدث في مرحلتي "ما قبل الثورة" و "الذروة"، حيث كُتبت فيهما كتابات كثيرة و قيل فيهما تحليلات أكثر، لكن ما يهمني من إستقراء هاتين المرحلتين هو "النسق الإجتماعي" الذي نشأتا فيه كمقدمة للمرحلة الثالثة و هي الأهم و الأولي بالتحليل و الدراسة و إستنباط النتائج لأنها ببساطة مازالت بين أيدينا حيث لم تقم أي طليعة/نخبة بحسم الصراع لصالحها مهما ترائي للبعض.

كانت مرحلة "ما قبل الذروة" -التي إمتدت لما يزيد عن الأربعين عاماً- مرحلة أحداث متصاعدة محلياً و إقليمياً و دولياً، إختفت فيها قوة عالمية كبري و إنفردت في آخرها قوة واحدة بالكوكب تماماً برسم المال الوفير و العسكرية الطاغية و أدوات العولمة التي تناقلت من خلالها مفاهيمها و أبجدياتها بصورة لحظية بين المركز و الأطراف و ترسخت فيها روئ نظرية إضطرب بموجبها جهاز القيم لدي معظم الشعوب إضطراباً شديداً علي المستوي الجمعي و إن ظلت بعض النخب الواعية محدودة العدد بالأطراف تقاوم هذا الإضطراب بموجبات ذاتية كموروثات الدين و الثقافة، و أخري موضوعية نتيجة ما حاق بالغالبية العظمي من تلك الشعوب من مظالم و إنزلاق شرائح إجتماعية بشكل شبه كامل إلي مستويات أدني تراوحت بين الفقر و العَوَز و المجاعات الكبري. و لكي يستتب الأمر "للمُنفَرِد" في المركز، فقد نشأت حاجته الي وجود "مُمثلين" له بالأطراف يصنعهم علي عينه و يرعي مصالحهم حتي يضمن ولائهم. من هنا بدأت أزمتنا العظمي و من هنا كانت بداية مرحلة "ما قبل الذروة".

لحديث الثورة المُضَادة بقية إن كان في العمر بقية.

التعليقات
press-day.png