رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. محمد محفوظ يكتب : الدولة البوليسية

 

يتردد مصطلح الدولة البوليسية كثيرا في أوساط المثقفين ، وفي الحوارات والكتابات الإعلامية ، والمؤتمرات والمنتديات والأوراق البحثية .

ويتم تداول المصطلح باعتباره وصفا للدولة القمعية ، أكثر منه توصيفا علميا لمجموعة من الممارسات السلبية الرديئة الفاسدة في مجال الإدارة السياسية . 

وبالطبع كل دولة بوليسية هي دولة قمعية ، ولكن ليس بالضرورة كل دولة قمعية هي دولة بوليسية .

فثمة مظاهر وممارسات ينبغي توافرها مجتمعة لكي تكتسب الدولة هذا التوصيف ، بحيث يصبح عنوانا لمنهجها في الحكم والإدارة .

وهذه المظاهر أو الممارسات التي تتسم بها الدولة البوليسية .. تتمثل في الآتي :

١ - فالدولة البوليسية ، هي الدولة التي تلتبس فيها العلاقة بين نصوص القانون وبين ممارسة أجهزتها الأمنية لسلطاتها في المجتمع ؛ حيث تذوب الحدود الفاصلة بين الاثنين ؛ الأمر الذي يجعل ما تفعله هذه الأجهزة أو ما تريده هو بمثابة القانون مهما تعارض أو تصادم معه. 

وبالتالي ، يرتبط تنفيذ القانون في الدولة البوليسية بالتعليمات الفوقية التي تسمح أو لا تسمح بتنفيذه ؛ ولا يرتبط بقوة القانون الذاتية المجردة .

ولهذا يصبح القانون أحد أدوات السيطرة والبطش وليس المحاسبة وتحقيق العدل. فالقانون يصبح نافذا للنيل من الخصوم وغائبا للتعمية على فشل الدولة وفسادها واستبدادها ، وضمان إفلاتها من العقاب والمساءلة .

الأمر الذي يجعل الدولة البوليسية وللمفارقة دولة منفلتة أمنيا . وفقا لمفهوم الأمن الاجتماعي والاقتصادي . بينما هي دولة متمترسة أمنيا وفقا لمفهوم الأمن السياسي.

ولذلك تسمح الدولة البوليسية بحرية الفوضي الاجتماعية والاقتصادية ، بينما تترصد أي معارضة سياسية أو حراك احتجاجي . 

والقانون وفقا لهذا التوصيف بالدولة البوليسية ليس إلا كخيوط العنكبوت ، تتعثر فيه الحشرات الضعيفة بينما تعصف به الوحوش الكاسرة . والحشرات الضعيفة هنا - وياللعار - هم رعايا الدولة البوليسية ، بينما الوحوش الكاسرة هم حكامها وأجهزتها السيادية ودوائر النفوذ بها أياً كانت مسمياتها .

٢ - والدولة البوليسية ، هى الدولة التي تترك معظم المشكلات سواء أكانت اقتصادية أم اجتماعية أم سياسية .. إلخ ؛ لكى تتفاقم حتى تتحول إلى مشكلات أمنية . فيتم استدعاء جهاز الأمن للتدخل والتصدي لها ومواجهتها بحلول أمنية ؛ تميل بالطبع نحو أساليب القمع والبطش والتنكيل ؛ وفقا لمنهج إطفاء الحرائق وليس القضاء على مسببات اندلاعها  . ولذلك تكون الحلول التي تسفر عنها التدخلات الأمنية مرحلية ؛ لأنها قد تخفي مظاهر الاحتجاج المترتبة على هذه المشكلات ؛ ولكنها لا تمنع من تصاعد الغضب حتى يحدث الانفجار مرة أخرى .

فمنهج الدولة البوليسية في علاج المشكلات بالعصا الأمنية يتوقف عند مواجهة العرض وليس معالجة المرض . مجابهة نتائج المشكلات وليس وأد مسبباتها . ولذلك هي دولة تطارد البعوض ولا تجفف مستنقعات توالده وتكاثره . 

٣ - والدولة البوليسية ، هى الدولة التي تجعل الترشح للمناصب الحكومية الهامة في كافة مؤسساتها باختلاف أنشطتها ؛ مرتبطا بموافقة الأجهزة الأمنية ؛ حتى لو لم يتم النص في القوانين على ذلك .

ونظرا لأن ميزان الأجهزة الأمنية يقيس الأفضلية بمعيار الثقة لا بمؤهلات الجدارة،  فإن أهل الولاء تصبح لهم الأولوية دوما عن الأكفاء .

وبالتالي ، هي دولة معنية دائما بتصنيف مواطنيها ما بين الأنصار والأعداء . الموالاة والمعارضة . أهل الشر وأهل الخير . فلا يفوز بمناصبها إلا هؤلاء المحسوبون عليها لا ضدها ، المنغمسون في حبائلها لا المعزولون عن دوائر رضاها واسترضائها.

ولهذا تصبح السيرة المطلوبة لأي منصب هي السيرة الشخصية لا السيرة الوظيفية . فلا القدرات الفنية أو العلمية أو التخصصية هي المحل للتقدير والاعتبار . وإنما يحل محلها السيرة الشخصية المتعلقة بالموالاة السياسية والخضوع الوظيفي ، باعتبارها عنوان الجدارة وموجهات الاختيار .

وللمفارقة ، فجواز المرور الأمني لمناصب الدولة البوليسية لا يتناقض في أغلب الاحوال مع السمات السلبية في السيرة الشخصية ، وخصوصا ما يتعلق منها بنقاط الضعف المسلكية أو الأخلاقية . بل هو متناغم معها باحثا عنها محتفيا بوجودها . باعتبار أن كافة النقائص الأخلاقية والنوازع الدونية هي مفاتيح للتحكم والسيطرة ، يمكن استثمارها لضمان استغلال مواطن الابتزاز لدى أي شخصية في حال تمردها أو خروجها عن القواعد المرعية غير المعلنة .

٤ - والدولة البوليسية ، هى الدولة التي تقوم بتخصيص نسبة كبيرة من المناصب الحكومية على اختلاف تخصصاتها النوعية لرجال الأمن . ولذلك يمتد داخل دولاب عملها طابور من رجال الأمن المتقاعدين إسميا المجندين عمليا لصالح أجهزتهم الأمنية . الأمر الذي يوفر عينا أمنية راصدة وقبضة بوليسية متنفذة داخل كل المرافق . بما يضمن تكريس موارد الدولة لخدمة مصالح النظام ، وضمان تسكين مؤيدي الدولة أو تابعيها أو مرشديها ومخبريها في كل مستويات اتخاذ القرار . 

وللمفارقة ، فإن هذا الذراع الأمني داخل كافة المرافق الحكومية يكون راعيا وحارسا لكل مظاهر الفساد ، بما يوفر دائرة موثوقة لتجنيد الفاسدين وابتزازهم من أجل استخدامهم كعيون لرصد أي متمردين محتملين داخل بنية مؤسسات الدولة وأجهزتها .

٥ - والدولة البوليسية ، هى الدولة التي تسند الكثير من الأنشطة المجتمعية غير الأمنية إلى الأجهزة الأمنية . ولذلك تزدحم وتتضخم الهياكل التنظيمية لوزارة داخليتها وباقي أجهزتها الأمنية نتيجة تحميل هذه الهياكل بإدارات ومصالح تمارس أعمالا وتخصصات ليست لها أي صفة أمنية ، كان ينبغي - وفقا للمقتضيات الرشيدة من منظور قواعد التنظيم والإدارة - أن يتم إلحاقها بوزارات أخرى تدخل هذه الأعمال ضمن نطاق اختصاصها . 

بل ، ويتطور الأمر في الدولة البوليسية إلى حد السماح للأجهزة الأمنية بإنشاء منظومتها الاستثمارية الخاصة بها والتي تمتد لكافة الأنشطة الاقتصادية وتصب أرباحها داخل موازنتها . بما يجعل من تلك الأجهزة لاعبا في ساحة كعكة الاقتصاد المحلي ، ويحتم وقوعها في مصيدة تضارب المصالح بين مسئولياتها الأمنية وطموحاتها الاستثمارية .

علاوة علي ذلك ، فإن الأنشطة المجتمعية التي تفلت من التبعية التنظيمية للمؤسسات الأمنية لا تفلت من التبعية الترخيصية لها . حيث يتم ربط الكثير من هذه الأنشطة بموافقات وجوبية ينبغي صدورها عن الجهات الأمنية للبدء في هذه الأنشطة أو الاستمرار فيها . وذلك دون الاستناد غالبا إلى نصوص من القانون تستوجب ذلك .

الأمر الذي يقسم الكثير من أنشطة المجتمع ؛ إما إلى أنشطة غير أمنية تتولاها حصريا الجهات الأمنية ، أو أنشطة غير أمنية لا يتم الترخيص لمزاولة نشاطها إلا بموجب موافقات أمنية مسبقة . أو أنشطة غير أمنية تدخل ضمن المنظومة الاستثمارية لأجهزة الأمن .

وبذلك ، يصبح المجتمع بمؤسساته رهن القبضة الأمنية ، تنظيما أو ترخيصا أو استثمارا .

٦ - والدولة البوليسية ، هي الدولة التي تضع عينا أو قدما أو ذراعا او أصبعا أمنية، داخل التنظيمات الحزبية أو النقابات المهنية أو منظمات المجتمع المدني أو المؤسسات الإعلامية .  

ولا يقتصر ذلك على استخدام الوسائل التكنولجية للمراقبة غير القانونية لأنشطة هذه الجهات والحياة الشخصية لأعضائها ؛ لاستغلال ما يتوفر من معلومات لتصفية هذه الجهات وأعضائها معنويا أمام الرأي العام . بل يمتد الأمر  إلى تجنيد عناصر لاختراق تلك الجهات لنقل أخبارها واتجاهات أعضائها ؛ وترتيب سيناريوهات لإحداث وقيعة داخل صفوفها ؛ تمهيدا لحلها أو إرباك نشاطها نتيجة الصراعات بين أجنحتها .

ولقد تطور الأمر في ظل الفضاء الإلكتروني الناجم عن شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ، حيث بدأت الأجهزة الأمنية بالدول البوليسية في إدخال التحديث على أساليبها المتعلقة بإرباك الرأي العام أو تأليبه أو تخديره ؛ من خلال ما يسمى باللجان الإلكترونية التي تدار بمعرفة هذه الأجهزة ، لنشر الشائعات والاغتيال المعنوي للشخصيات والإرهاب النفسي للمعارضين باستهدافهم بالسباب والتجريس والاستهزاء .

.... .....

ولكن ، قد تتعقد وتلتبس ملامح الدولة البوليسية عندما تنبثق من داخل دولة تخضع لحكم المؤسسة العسكرية . حيث تنفتح دائرة المناصب الحكومية لكي تضم قطاعا كبيرا من المتقاعدين ذوي الخلفية العسكرية . بما يقلص كثيرا من الكوادر المدنية داخل بنية الدولة التنظيمية . ويصبغ مؤسساتها بصبغة عسكرية تضاف إلى الصبغة البوليسية بما يجرف طبيعتها المدنية . علاوة على اقتطاع جانب أكبر من الكعكة الاقتصادية لبناء المنظومة الاستثمارية للمؤسسة العسكرية التي تؤمن بقاءها في الحكم من خلال ترسيخ قاعدتها الاقتصادية  .

إلا أن نفاذ الأجهزة الأمنية للكثير من الأنشطة والمؤسسات في الدولة البوليسية ؛ يؤدي إلى تجرؤ هذه الأجهزة وانفلاتها وارتكابها لحماقات كارثية ؛ تؤلب عليها باقي مؤسسات الدولة بما فيها حتى المؤسسة العسكرية . بما يؤدي بمرور الوقت إلى اططفاف هذه المؤسسات في جانب ؛ وأجهزة الأمن المنفلتة المتجرئة في جانب آخر . 

علاوة على أن تجنيد الأجهزة الأمنية لخدمة أهداف النظام مع تخليها عن دورها في تحقيق الأمن بالمجتمع ؛ يخلق فجوة واسعة بينها وبين المجتمع ، بما يرسخ النظرة لها باعتبارها العصا الغليظة للسلطة المستبدة الفاشلة ، والعين المتغافلة عن حماية أموال الناس وممتلكاتهم وأرواحهم وأعراضهم .

الأمر الذي يعمق الشرخ بين هذه الأجهزة والمجتمع بمواطنيه أو مؤسساته . وينذر بحدوث انفجار بالطبع لا تصب نتيجته في صالح استمرار الدولة البوليسية .

ولعله من الواضح ، أن بولسة المجتمعات الحديثة أو عسكرتها هو أمر يتناقض مع الطبيعة المنفتحة للحضارة الإنسانية الراهنة ؛ التي تؤدي منجزاتها التكنولجية إلى تجاوز الحدود والأسوار ، وتعدد الآراء والأفكار ، ومن ثم تعميق الحقوق والحريات.

ولذلك ، فإن الدولة البوليسية بكل منطلقاتها هي دولة تحمل داخل أحشاءها بذرة فناءها . بوصفها خلطة كريهة تفسدها وتسممها بهارات البولسة . وباعتبارها دولة ضد الحاضر ومن ثم ليس لها مكان بالطبع في المستقبل .

*****

dr.mmahfouz64@gmail.com

 

التعليقات
press-day.png