رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب عن الثورة المُضَادة – الجزء الثالث

في نوفمبر ١٩٧٧ كانت بداية عزل مصر عن محيطها الحيوي تأهيلاً لها كي تكون شريكاً لأسوأ أنماط العنصرية في "تمثيل" من كان يستعد بكل القوة في المركز لحسم صراع الثنائية العالمية لأجل الإنفراد بالعالم و الذي سعي في سبيل ذلك إلي ضم قوي أخري لهذه الشراكة حتي و إن كان إنضمامها خفياً -أو أنه بدا كذلك- ليصنع بذلك خلطة جديدة من الممثلين في المنطقة: "مصر-إسرائيل-السعودية"..

يالها من خلطة إمتزجت فيها القوة البشرية و الثقافية بحالة فكرية مُشتتة، و القوة التكنولوجية و العسكرية بممارسة عنصرية فاسدة، و القوة المالية و الإقتصادية بسلوك ماضوي أشد فساداً. بعد أقل من عام، كان الوضع في أحد الأطراف المتاخمة للقوة المنافسة لمن يسعي بالإنفراد يغلي مُستعراً و مُنذراً ببداية الإنهيار حيث كانت الحرب الأفغانية في ١٩٧٨ ثم التدخل السوفيتي في ١٩٧٩ الذي إنتهي في ١٩٨٩ راسماً معالم نهاية القطب الثاني في ١٩٩٠ و التي تواكبت مع الغزو العراقي للكويت. و أحسب أن ١٩٩٠ كانت -من هذه الزاوية- هي أكثر سنوات التاريخ الحديث خطورة حيث كانت بداية الإنفراد بالكوكب إذ إنهار الإتحاد السوفيتي لأسباب موضوعية و أخري ذاتية -ليس هذا مجال الخوض فيها- و إنهار معه حلف وارسو، في الوقت الذي إضطرب فيه جهاز القيم لدي العرب إضطراباً غير مسبوق مؤشراً لبداية إنهياره هو الآخر.

 تأتينا "أوسلو" ١٩٩٣ ثم "وادي عربة" بعدها بعام كامل ليقترب تدريجياً دوي قرع طبول النهاية..في ربيع ٢٠٠٢ كانت آخر مراحل التجهيز للعشاء الأخير هناك في "رام الله" حيث كان ضرب مقاومة الثورة الفلسطينية في مقتل بحصار رمزها التاريخي "عرفات" (قُل في الرجل ما تشاء لكنه كان في النهاية رمزاً برسم ماضٍ نضاليٍ حاول ببالغ الصعوبة الإبقاء عليه مُتلازماً مع سلامٍ مزعوم فلم ينل سلاماً و لا إحتفظ بوهج تاريخ النضال)..حوصر الرجل مرتين: واحدة في مارس ثم أخري في سبتمبر حين كانوا يطاردونه من غرفة إلي أخري بأطلال مبني المقاطعة المتهدم..

دقت في إبريل ٢٠٠٣ دقات المسرح الثلاث منذرة ببداية العرض بعدما تم تجهيز خشبة المسرح حيث تُوِجت جهود "المُنفَرِد بالعالم" تماماً بالقضاء شبه الكامل علي جهاز القيم العربي وقت أن سقطت "بغداد" (و ما أدراك ما "بغداد") ليدخل العرب فرادي و جماعات في غياهب التيه لسنواتٍ طوال بفعل عوامل عدة ساهم فيها "مُمثلي" المُنفرد بالعالم في منطقتنا المنكوبة المبتلاة "مصر-إسرائيل-السعودية"، فإمتزج النهب المالي بهدم جهاز القيم العربي بتغييب الديمقراطية ليُنتج مجتمعات شِبه مُحطَمة مُفككة و ضائعة إنقطعت أواصر صِلَتِها بمجد الماضي و لم تعد تري في الغد أي أمل -بل هي لا تري غد من الأساس- لتصير جاهزة (أو هكذا ظنوا) لتَقَبُل وضعٍ بائس تابعٍ و تعيس. كانت تلك هي حال منطقتنا المنكوبة المبتلاة عشية ١٧ ديسمبر ٢٠١٠ ثم ٢٥ يناير ٢٠١١ حيث كانت للجموع الشعبية كلمة أخري ثبت من خلالها أن لمحاولات تحطيم المجتمعات أثر بالغ في إدراك خطورة اللحظة..لحظة ما قبل النهاية المطلقة.

لحديث الثورة المُضَادة بقية إن كان في العمر بقية.

التعليقات
press-day.png