رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : «هافانا – القاهرة» علي جناح «ماركيز»

"مائةُ عامٍ من العُزلة.. الحُبُ في زمن الكوليرا.. قصةُ موتٍ مُعلَن.. عِشتُ لأروي.. ذاكرةُ غانياتي الحزينات.. ساعةُ الشؤم.. الجنرال في مَتاهة.. ليس لدي الكولونيل من يُكاتبه".. تجلياتٌ عبقرية للفذ "جابرييل جارثيا ماركيز" بترجمة مُذهلة لطاغوت ترجمات اللاتينية الفلسطيني الجبار "صالح علماني" الذي لا تشعر حين تنساب عيناك بين سطور ترجماته أنك أمام نصٍ مُترجم لا روح أصيلة فيه.. لا تشعر بأي غُربة و أنت تتابع ما حدث في أحراش اللاتين كما لو كانت قدماك تغوصان في أوحالها.. تشعر و أنت تقرأ "ماركيز" عن فُصحي "علماني" أنك أمام نصوصٍ عبقريةٍ لِمَن وَعِىَ ففَهِمَ ثم حَلَ طلاسم سرِ اللغة مُمسكاً -بمنتهي الإدراك - بالروح الأصلية لهذه النصوص ناقلاً إياها للعربية دون أن يُفقدها بنيانها ومِزاجها الخاص المُغرِق في محليتِهِ و كأن "ماركيز" وقلمه قد حلا روحاً من نورٍ و خيال وجسداً من لحمٍ ودم علي أوراق الفلسطيني المُبدع "صالح علماني".

تلك كانت تجربة سنين طويلة لسباحتي فيما كتب "ماركيز" بلسان "علماني" إلي أن صادفتُ مؤخراً (و يالأسفِ التأخُر) كُتيباً / كُراساً من مائة و عشرين صفحةٍ من القطع الصغير وجدته مُنزوياً يكاد أن يختنق بين عماليق الكتب علي أعلي رَفٍ بمكتبةٍ رقيقة الحال محدودة المساحة لكنها تحوي بين جنباتها دُرراً من إصداراتٍ في الأدب والسياسة بأحد شوارع القاهرة التي مازالت تحوي علي أرصفتها سحراً من نوعٍ خاصٍ صار نادر الوجود لكنك - إن تركت لعقلك و روحك العنان - ستجد إليه بدلاً من السبيل مائةُ سبيل.

أعترف بعادةٍ غريبةٍ لم أحاول الإقلاع عنها وهي عادة "النَبش" في المكتبات عن الكتب فقيرة الإصدار صغيرة الحجم..عادةٌ لم تُكلفني مالاً طائلاً لكنها أورثتني كنوزاً غالية كان كُتيب / كُراس "كوبا في زمن الحصار" أحدها.. (كيف لم ألتفت و قد أنفقت عمري مُتسكعاً بين أروقة المكتبات - الراقية و الفقيرة علي حد سواء - بأزقة و شوارع العديد من عواصم العالم لهذا الإبداع العجيب).. مقالات بفصحي "علماني" عن لاتينية "ماركيز" و تجربته في "كوبا-الثورة" من إصدار دار الطليعة الدمشقية (و دمع لا يُرقرَقُ يا دِمشق) في ١٩٩٨.

يأخذك "ماركيز" في رحلة عبر سلسلة مقالاته التي جُمِعت في هذا الكُتيب / الكُراس إلي أجواء امتزج فيها تاريخُ الثورة بجغرافيا أحراش كوبا التي عبرها طائراً حيناً وسائراً أحياناً ومُحَللاً في دقة بالغة أحياناً كثيرة لشخصية "كاسترو" المُذهلة متعددة الأوجه والمهارات التي مهما اجتهدتُ في سردِ تلخيصٍ لها فسأكون من الفاشلين إذ لا يروي "ماركيز" سوي "ماركيز" و بالطبع "علماني".

تجد نفسك بعد مقالات صاحبنا عن "كاسترو" وجها لوجه أمام "هيمنجواي" ثم "جراهام جرين" في هافانا لتنتهي السلسة بمقال "أزمنةُ الكوكاكولا" الذي ختمه بجملة قالتها فتاةٌ صغيرة لوالدها الكاتب الكوبي الذي أتي معه بعد زيارة للمغرب بزجاجة "كوكاكولا" فلما رأتها إبنته قالت: "و ما هي الكوكاكولا؟". فَرَغتُ في ثلاث ساعات من رحلتي "لكوبا في زمن الحصار" مبهوراً مسحوراً بعبقرية السرد (لم أفقد قدرتي علي الإنبهار و الدهشة بعد) ليعيدني صديقي الشاب رئيس إتحاد طلاب جامعة حلوان من قلب "هافانا-الثورة" إلي عقل "القاهرة-الثورة" لتمتد يداي فتنتزع من بين أرفف مكتبتي جوهرة ماركيزية إعتلاها بعض تُراب العُمر فأعيد قرائتها بدَفعِ واقعٍ محليٍ بائسٍ و أحسبكم معي من القارئين......"خريف البطريرك".

التعليقات
press-day.png