رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: «خَالد عَلي» و الذينَ مَعه

 

طويل القامة ذو إنحناءة بسيطة في الظَهر تحمل من معاني النُبل ما تحمل بلا تزيد أو إفراط يخُل بهيبة التواضع الرصين..تَلمَحُ في عينيه الوسيعتين بريق ذكاءٍ لا يمكنك أن تمر عليه دونما أثر..تقع تحت العينين ملامح وجهٍ طيبة للغاية تستطيع ببساطة أن تدركها في نفس ملامح جارك أو صديقك أو حين تنظر في المرآة..جبهة عريضة مستديرة علي رأسٍ يُذكركَ الشعر الذي هجرها مبكراً بـ «نبيل الهلالي» لكن دون نظاراتٍ طبية..تشعر رغم صرامة صوته المُدوى إن تحدث من القلب بأنه يبكي أو أنه يقول شعراً رغم أن مُقتضي حالُ عَمَلِه يستدعي عقلاً مُسلحاً بمنطقٍ رياضي يتحري أقصي درجات الدقة و التَفَحُص..

لم ألتق الرجل -الذي فَقد زوجته و هو مازال بَعدُ شاباً فنَذَرَ من العُمر ما تبقي لتربية الأولاد و للوطن- في حياتي سوي مرات معدودة تجاذبنا فيهما أطراف الحديث لدقائق كان آخرها علي عتبة سرادق عزاء المناضل المرحوم الأستاذ سيد عبد الراضي منذ أسابيع..سرت وراءه و معه في مسيراتٍ بشوارع المحروسة..لا أنسي -بِحُكم الهَمِ الذي صرت أشم رائحته عن بعد كإقتصادي- مسيرةً خرجت من أمام مبني البورصة العتيق أيام الإخوان -لا أعادها الله- نهتف ضد الإستدانة من مؤسسات الإقراض الدولية و إتخذنا طريقاً بطيئاً من "صبري أبو علم"، فميدان "طلعت حرب"، فشارع "قصر النيل"، فميدان "الشهداء" ثم شارع "القصر العيني" لتستقر المسيرة أمام بوابة مبني مجلس الوزراء حيث كان "هشام قنديل" يلتقي "كريستين لاجارد" لدراسة الإستدانة من صندوقها البغيض.. كان صاحبنا علي رأس المسيرة يهتف بكل الحماس و نحن –أصحاب الشأن من الإقتصاديين- وراءه من المُردِدين.

فلنعد إلي الوراء قليلاً.. بعد الثورة فوجئت به بكل الشجاعة التي ظننتها حينذاك –مُخطئ أنا أعترف الآن- نَزَقَاً شبابياً، يُرشحُ نفسه أمام الكبار منافساً إياهم في  إنتخابات الرئاسة.. لم أختَرهُ.. نال عدداً من الأصوات ضئيل لكنه جدير بالدراسة و الفحص و إستنباط النتائج..134 ألف مصري قرروا أن يغامروا بقفزة هائلةٍ للأمام و منحوه أصواتهم حالمين بعالم رومانسي..و هل المغامرون إلا رومانسيون يسعون لجعل المستحيل ممكناً..و هل الرومانسيون إلا حالمون بالزهور و الحب و الخير و الحق و العدل و الحرية للعالم كله..شيئاً غامضاً جذب إنتباهي للرجل.

والآن.. فلنتقدم الآن إلي الأمام بعض الشئ.. الثلاثاء 21 يوليو 2016..شارع شارل ديجول..الدور الثاني..القاعة غير ممتلئة كما كنت أتوقع..سُمِحَ للإعلاميين بالدخول..قليل من الإضطراب..رجالٌ غِلاظٌ شِدَادٌ أحاطوا بالمنصة..دقت العاشرة فانفتحت طاقة النور الصغيرة علي يمين مقدمة الجالسين.."مَحكمة"..دخل المَهيب مُرتدياً وشاحه الأخضر..تنحبس أنفاسنا و تتجمد دماؤنا في العروق..لحظاتٌ كالدهر مضت إلي أن قال بصوتٍ مُفعَمٍ بثقة الحق و قوة الحقيقة: "رفض الدفع بعدم الإختصاص الولائي، و قبول الدعوي شكلاً و بطلان توقيع ممثل الحكومة المصرية علي إتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية و المملكة العربية السعودية الموقعة في إبريل 2016 المتضمنة التنازل عن جزيرتي تيران و صنافير للملكة العربية السعودية مع ما ترتب علي ذلك من آثار، أخصها إستمرار هاتين الجزيرتين ضمن الإقليم البري المصري و ضمن حدود الدولة المصرية، و إستمرار السيادة المصرية عليهما، و حظر تغيير وضعهما بأي شكل أو إجراء لصالح أي دولة".."الله أكبر" هتفت من أقصي أعماقِ الوجدان..لم أشعر بمعناها كما شعرت به في تلك اللحظة..نعم هو "الأكبر" الذي يُجري كلمة حَقِه علي لسان من يختاره من عِياله (ألسنا عِيالُ الله؟ بلي فنحن كذلك)..خرجت من القاعة أبحث عن صاحبنا الذي لم أمنحه توكيلي الذي كان من نصيب صديقي العزيز فارس الديبلوماسية و السلاح و القلم و القانون السفير "معصوم مرزوق" و كوكبة أخري من رفيعي المقام.. ألقيت بنفسي في أحضان صديقي السفير معصوم و رحنا سوياً في نوبة بكاءٍ حارٍ لم نعتده..بحثتُ عن صاحبنا الذي أحاطه المُريدين..هتفنا جميعاً: "عيش-حرية-الجُزر دي مصرية".. كان هتافنا هذه المرة يشبه الغناء..كل شيئ جميل و عذب..بحثت عنه مرة أخري لأجده علي سُلم المبني الضخم و هو محاصرٌ بالميكروفونات و عدسات الكاميرات يرتجل كلمات الوجد و العشق الوطني و يلقي بالتهاني حتي علي الحارس الذي طلب منا المغادرة قائلاً له: "يا أخي إفرح شوية و سيبنا نفرح"، فتراجع الرجل و لم أستطع أنا أن أسيطر علي دمعٍ جري مَرةً أخري من المُقلتين.

إنه "خالد علي" ببساطة.."خالد علي" الذي لم يتسني لي أن أُلقي عليه تحية النصر من علي سُلم مجلس الدولة في هذا الصباح العبقري، فله و للذين معه من أصحاب الفضل واجب التحية و جزاء صنع المعروف لتظل  #تيران_وصنافير_مصرية و يظل #مالك_عدلي_حر.

 

التعليقات
press-day.png