رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب عن مالك عدلي وزين العابدين فؤاد: حَبَّايِة عِنَب

صوت الترام يدخل من الآدان

يا هل تري حاسِّة بنا الرُكاب؟

وَ لَّا احنا كُنَّا فرقَعَة في فنجان

و إتكَب...لَمَّها التُراب؟

كلما قرأت أبيات العم "زين" و "زين" الأعمام التي كتبها من سجن الإستئناف في 7 فبراير 1972 تذكرت كل عَطِري الروح المُفعمةِ بعذابات الوحدة و قَهر الضيق، لكن واحداً تجَلت فيه لدَيَّ كل المعاني.. واحد من كثيرين تجسدت فيه كل تلك الصور.. أسمرٌ نحيلٌ كأغلب بني النيل.. لا تكاد تُميزَهُ إن رأيته صامتاً بين الناس لكنه إن تَكلم ستُدرِك علي الفور أنك أمام فتيً إستثنائي أو كما قال "أبو الطيب": "كَفاني بِجسمي نُحُولاً أنني رجلٌ، لولا مُخاطبتي إياكَ لم تَرَني".

إنه "مالك عدلي" الذي رأيته و تحدثت إليه لأول مرة في يومِ حصارِ "الكرامة" حين أتانا قائلاً: "أنا ماعنديش مشكلة، لو هما عاوزيني أنا، فأرجو تسلموني علشان يفُضوا الحصار والناس تمشي في سلام"، رفضنا (و هل لنا إلا أن نرفض)، و بقينا جميعاً حتي النهاية.

تذكرت كلمات صاحب "الحِلم في السِجن" وأنا أتأمل حال الفتي "مالك"..لحديث الحبس الإنفرادي مَلمَحٌ تشريعي أسهب في بيانه القانوني العتيد "طارق العوضي"، و لنفس الحديث مَلمَحٌ طبي أفاضت في شرحه النَفسيةُ المُجيدة "سالي توما"، لكن مَلمَحاً آخراً مَرَ كقبسِ نورٍ بعقلي بفضلٍ من "العم زين" حين يُصَور لنا كيف يقتحم صوت الترام مُتسللاٍ من بين القضبان آذان القابعِ وراءها وحيداً..حياةٌ أخري تجري أحداثها كل صباح بينما يلوذ هو بالصمت والعزلة التي يقطعها صوت السجان وسوطه.. حركة الترام، صيحاتُ الذاهبين إلي مدارسهم، همهمات شكاوي ضيقِ ذاتِ يد الساعين إلي أعمالهم، مُفاوضاتُ النسوة مع الباعة حول الأسعار، نقاشات المُتحلقين حول عربات الفول وبالمقاهي، صوت الأذان، تكبيرات العيد.. لا شيئ يربط صاحبنا بالحياة الأخري سوي "السَمْع" -إن تيسر- وخيالٌ مُتعَبٌ يعاني مُنهَكَاً من هجماتِ مشاعرَ بائسة بأن شيئاً لا يستدعي كل تلك العذابات..

هذا هو فَصلُ كلام "العم زين" مُلَخِصَاً ما دار وما يدور بعقلِ السجين وروحه.. تُري، هل يشعر كل هؤلاء بما فعله صاحبنا الفتي "مالك" الذي ذكرني بجبارِ بني كنعان "مروان البرغوثي" الذي اعتُقِل (ياللمفارقة التاريخية) في "15 إبريل" 2002 (مع كامل تقديرِ فارق سنوات العمر في الحبس الإنفرادي و نوعية المُعتَقِل فلمناضلِ "رام الله" منا عظيم التبجيل و فائق المحبة والاحترام)..

نعود إلي صاحبينا "مالك" و "الزين"..هل يشعر المارون في طُرقات الزمن بجليلِ ما فعله "مالك" أم أن الفنجان قد "إنكَب" و طوي زَبَدهُ التراب؟ و الأهم، هل تسيطر مشاعرُ سَلبِ إجابة هذا السؤال علي روح الفتي فتهزمها ليتحول بعدها إلي حطامٍ يائسٍ..تلك هي فحوي المسألة و هذا هو قلبُ الأحجية التي يعود "العم زين" في نفس القصيدة ليضع أمامنا و ببساطة متناهية مفتاح حلها كالحقيقةِ الناصعةِ..بل هي الحقيقة ذاتها: 

في السِجن تِدخل الأصوَات في جِسم الحَلم

أحلَم بصفحات مِ الكُتُب

أحلَم بإني في قَعدِتي ويَّا الصِّحاب

أحلَم بألف بنت، يدخلوا و يخرجوا

و حبيبتي، لسه ما جاتشي وسطهم

أحلَم بأنواع مِ الطعام و الشراب

أحلم بغيط مِ الخَس، حَبَّايِة عِنَب

إنه الحُلمُ المُنقِذ..الحُلم بعالمٍ من الكلمات، و بجلسة الرفاق و الحبيبة، و بطعم الحياة..الحُلم بالأخضر يأتي مع إنقشاع دخان حريق المأساة..الحُلم العميق العظيم المُحتَمل البسيط..إنه مُجردُ الحُلم بحَبَّايةِ العِنب. 

التعليقات
press-day.png