رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب : كُلُ هذا القُبح – «الحفلُ البَمبي»

أن تأتِ متأخراً خيرٌ من ألا تأتِ بالمرة.. ما أن طالعت صوراً أرسلتها لي إحدي الصديقات من أهل مدينة "هيباتيا" إلا و قد أصابني من الغثيان ما زاد عن قدرتي علي الاحتمال لأتذكر مقولة عبقري الشعر "نجيب سرور" بعدما كتب "صلاح جاهين" أغنية "الحياة بقي لونها بمبي"، حيث ذهب "النجيب" إلي بيت "جاهين" ووقف تحت الشرفة منادياً إياه، فلما لم يُجِبهُ صرخ في الشارع: "بَمبي؟..بَمبي يا صلاح؟..بَمبي يا صلاح".

منذ ما يزيد عن الشهرين (مُتأخِرٌ أنا، فألتمس من القارئ الكريم عُذراً و أظنه مانحني إياه، فلِعظيم حوادث الثلاث شهور الماضية ما يبرر ذنب التأخُر) كان عقد قران فتاةٍ طلبت أن يُقام حفل زواجها في حَرَم أحد آثار المدينة.. هكذا.. أرادت تخليد تلك الذكري فما كان لها إلا ما أرادت.. هكذا.. كان الأثر- الهدف هو السور العتيق..(أشعُرُ برهبة من نوع خاصٍ جداً -لا أدري لها مُبَرِراً- أمام القِلاع لدرجة تقترب من "فوبيا" المكان، فأقف أمامه مشدوهاً غير قادرٍ علي مجرد النُطق..كيف إذن تسني لهم أن يفعلوها).. توجه صاحب الشأن ببساطة إلي أصحاب القرار فقبلوا أيضاً ببساطة مُقابل "إيجارٍ" يصل إلي نحو 1,300 دولار (ما حاجتنا لحديث الجنيه المصري بعدما أذلته سياساتُ ترويكا الخراب).. طاولات وصحون.. طعام كثيرٌ وشراب.. موسيقي و رقص و غناء و وَميض آلات تصوير حتي الصباح.

اللافت - وهو ما ذكرني بقول "سرور"- هو اللون الذي أرسلوه ليُضيئ حَرَم "الأشرف" في حضرة "بوسيدون".."البَمبي".

يقول "إبن إياس" في "بدائع الزهور" (بالصفحتين 155 و 156 من الجزء الثالث-إصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب 2008 في ذكر حوادث العام 844 من الهجرة): "و كان سبب سفر السلطان إلي الأسكندرية في هذه المرة لأجل البُرج الذي أنشأه هناك وقد انتهي العمل منه، فتوجه إليه ليري هيئته، فلما دخل مدينة الأسكندرية لم يوكب بها مثل أول مرة ولا حُملت القبة والطير علي رأسه، فلما نزل بالمخيم مَدَّ له نائب الأسكندرية مَدّة حافلة، ثم توجه إلي رشيد، وكشف علي البرج الذي أنشأه بها، ثم كشف عن البرج الذي أنشأه بثغر الأسكندرية مكان المنار القديم فجاء من محاسن الزمان، ومن أعظم الأبنية، وأجَّل الآثار الحسنة، ومن نوادر أفعال الملوك كما قيل:

ليس الفتي بِفَتَّاءٍ يُستضاءُ ب.. حتي يَكونُ له في الأرضِ آثارُ".

هي 540 عاماً كاملة تفصل في الزمن بين حالين للمكان الذي وصفه "إبن إياس" "بأحسن الآثار والمعروف"..540 عاماً كاملة تفصل بين عهدين فاض النهر المقدس في أحدهما كما لم يَفِضُ من قبل وآخر شَحَ فيه ماؤه الذي كان طَهورا..540 عاماً كاملة تلخصت في نهايتها مآلات أهل المحروسة إلي حالٍ يُؤسَفُ له من الأسف الشديد..مِن مراقبة سفن الأعداء بمسيرة يومٍ كامل إن أقبلت للعدوان علي مدينة "هيباتيا" الي الحفل "البَمبي".

لم يَعُد أعداؤنا بحاجة لركوب البحر في أساطيل ضخمة للعدوان، فقد أتوا في حُلَلٍ مغايرة وحَلوا بيننا يمرحون وسط ترحاب "الدافئ" من السلام، فما عاد "للأشرف قايتباي" من حاجةٌ للقلعة وما عُدنا نحن بحاجة لها إلا لممارسة مزيد من طقس البشاعة البائس.

نعم.. إنه كُلُ هَذا القُبح.

التعليقات
press-day.png