رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

المهندس. يحيى حسين عبد الهادي يكتب : هذه أموالُنا رُدَّت إليهم

(هذا المشروع واضحٌ جداً لدرجة الغموض) كانت تلك إجابة الدكتور جلال أمين عن مشروع الصكوك فى آخر سنوات مبارك .. يقصد أنه واضحٌ جداً فى إضراره بمصر لدرجة أن عدم اكتراث القائمين عليه بستر عيوبه يثير الشكوك فى أن ما وراءه أخطر كثيراً مما هو ظاهر .. نفس المعنى قفز إلى خاطرى وأنا أُتابع احتفاء واحتفال مصر الرسمية وإعلامها المباركى بمشهد الختام الذى أُزيح الستار عنه أمس في رواية حسين سالم .. أعرف أصدقاءً من مؤيدى السيسى (لا دراويشه) ومن مُعارضيه (لا خصومه) أذهلتهم درجة الوضوح والمباشرة والتبجح فى تفاصيل الرواية بعد اكتمالها لدرجةٍ أخرجتها من نطاق السياسة التقليدى (الذى يحتمل الاتفاق والاختلاف) إلى دَرْكٍ أسفل لا نتخيله لمصر ولم نسمع عنه إلا فى دولةٍ فاشلةٍ أو شبه دولة .. دعونا من التساؤل عن كيف كَوَّن السيد حسين سالم ثروته، فقد أصبح كل ذلك ماضياً بعد أن تم تبييض صفحته تماماً وعاد الرجل خالياً من الذنوب والخطايا رسمياً كيوم ولدته أُمُّه .. بل إن الرجل وفقاً للبيان الرسمي لم يتصالح، فالتصالح يكون بين متخاصمين لا بين أحباب، وإنما (تنازَل) عن ممتلكاته التي تم تقديرها بحوالي 500 مليون دولار فقط وهو ما ينقله رسمياً إلى خانة أولياء الله المتصدقين على مصر الذين تُقام لهم المقاماتُ وتُحَرَّمُ عليهم عنابر السجون .. المشكلة أن الذاكرة لم تنسَ ما سبق مشهدَ الختام الاحتفالى من مشاهد، فكيف لمن لم ينسَ أن يبتهج؟.
المشهد الأول: في 18 أكتوبر 2011 قال المستشار الجليل/ عاصم الجوهرى رئيس جهاز الكسب غير المشروع السابق فى بيانٍ نشرته الصحافة المصرية إن تحقيقات الجهاز توصلت إلى أن السيد/ حسين سالم ونجليه خالد وماجدة قد قاموا خلال الشهور الست التالية لثورة يناير فقط بتحويل ممتلكاتٍ لهم بالخارج إلى أموالٍ سائلةٍ بقيمةٍ تتجاوز 4 مليارات دولار (24 مليار جنيه وفقاً لسعر العملة وقتها) وأكَّد سيادته أن هذا المبلغ مجرد جزءٍ من ثروة الرجل .. ثم نشرت (الشروق) فى 3 يناير 2015 أن العرض المُقَّدَم من حسين سالم للتصالح ارتفع إلى 27 مليار جنيه.
المشهد الثانى: فى20 مايو 2015 فاجأنا السيد رئيس الجمهورية باختيار رجل البر والتقوى السيد/ أحمد الزند وزيراً للعدل .. وكان أول قراراته تغيير جهاز الكسب غير المشروع بالكامل واستبداله بجهازٍ آخر صُنِع على عينِه برئاسة مستشارٍ فاضلٍ ورد اسمه فى قضية الكسب غير المشروع المعروفة بهدايا الصحافة والإعلام، وإن كان قد رَدَّ ما تَكَسَّبه مع أربعين آخرين من بينهم زكريا عزمى وصفوت الشريف.
المشهد الثالث: وقَّع السيد رئيس الجمهورية قانوناً أسماه حمدى رزق قانون حسين سالم وأسميناه قانون (ادخلوها فاسدين)، أجاز لأول مرةٍ فى التاريخ الإنسانى المُعاصر (فى مصر والعالم) ما ظل محظوراً دستورياً، وهو التسوية الودية والصلح مع مُرتكبى جنايات الاعتداء على مصالح الدولة والمنصوص عليها فى قانون العقوبات وأن يكون هذا التصالح خارج ولاية القضاء حتى لو صَدَرَ حُكمٌ جنائىٌ بالإدانة والعقوبة، وبالقيمة التى تُقَدرها لجنةٌ حكوميةٌ يشكلها رئيس الوزراء ويشارك بها محامو السادة اللصوص ولا يوجد ما يمنع مشاركة السيد اللص شخصياً لكى تكتمل البَرَكةُ .. وبعد عدة شهورٍ لُوحِظ أن هذا القانون (رغم ما به من عوار) لا يعفى من العقوبة شركاءَ السيد اللص (كالموظف العام الذى سَهّل له السرقة مثلاً) فصدر تعديلٌ آخر يشمل بالعفو كل أفراد العصابة.
المشهد الرابع: بعد أن أصبح الملف فى يد الزند سقطت فى طى النسيان حكاية ال 27 مليار جنيه، وأعلن سيادته أن المبلغ الذى يتفاوضون عليه أقل قليلاً من 10 مليارات جنيه، وأن الرئيس السيسى أوصاه بأن يرفعه إلى 10 مليارات (!) وأتحفنا بفاصلٍ من المواعظ عن التسامح والتصالح .. الزندُ يَعِظُ.
المشهد الخامس (الختام): زَفَّ السيد المستشار عادل السعيد للمصريين أمس خبر الانتهاء رسمياً من التصالح مع رجل الأعمال حسين سالم وأفراد أسرته وذلك نظير تنازلهم عن مجموعةٍ من الأراضى والعقارات الموجودة فى مصر وفى حوزة الدولة المصرية فعلاً والتى لو لم يتم التصالح واستمرت إجراءات المحاكمة لكانت أقرب إلى التحفظ والمصادرة .. لكن الأدهى أنها قُيِّمَت بنصف المليارات العشرة التى بشرنا بها الزند نقلاً عن السيسى، أى حوالى 5 مليارات جنيه فقط بما يُمثل 75% من إجمالى ثروته التى قيل إنها حوالى 7 مليارات جنيه.
وعلينا أن نُصَدِّق أن ذلك هو إجمالي ثروته هو وأسرته، وأن سيادته ممن تُقَيَّمُ ثرواتهم بالجنيه وليس بالدولار وأن نشكر للدولة أنها اكتفت بحساب المبلغ بالجنيه وليس بالمليم كنوعٍ من تضخيم المبلغ فلم تقل إنه ردَّ 5 تريليون مليم مثلاً .. وأن نصمت تماماً عن حكاية ال 27 مليار جنيه خوفاً من أن نُعرِّض رئيس جهاز الكسب السابق لنفس الاتهام الذى حُبِس به المستشار هشام جنينة: نشر أخبار كاذبة.
سيداتى وسادتى القُرَّاء .. لا تكتئبوا وابتهجوا مثل المبتهجين فى مشهد الختام أمس .. فأنا أُقسمُ عن يقينٍ بالله أن الرواية لم تنتهِ بعد، ولن يكون هذا مشهدها النهائى .. إذ لم يزل بها فصولٌ أخرى.
 
التعليقات
press-day.png