رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب عن وصفة الصندوق : «الشَربَة»

 

·       "تثبيت أسعار جميع السلع و تحسين أوضاع كل العاملين بالدولة"- الأهرام في ١/١/١٩٧٧

·       "السادات يطلب الإسراع بإصدار قوانين العاملين و الضرائب و تثبيت أسعار السلع الحيوية"- الأهرام في ٢/١/١٩٧٧

·       "السادات يطلب ألا يتحمل هذا الجيل كل التضحيات"- الأخبار في ١٠/١/١٩٧٧

·       "إجتماع هام للهيئة البرلمانية لحزب مصر لدراسة تثبيت أسعار عدد من السلع الضرورية"- الأخبار في ١٦/١/١٩٧٧

كانت البدايات المبكرة للعام ١٩٧٧ بمثابة الحصاد المُر لِسِت سنواتٍ بائسة سبقتها رغم ما تخلل تلك السنوات من لحظةِ نصرٍ عسكريٍ إستثنائية أفسدتها ألاعيب الرئيس السياسية الشبيهة بما كان يقوم به حُواة الدرجة الثالثة الذين إختفوا من الشارع ليتبوؤا –معه- أماكنهم في أروقة الحكم بكل ما يمثلونه من قيم فاسدة..طَمئننا بطل الحرب (لم يكن السلام قد حَلَ بعدُ صريحاً) و من معه من أصحاب الثلاث ورقات أن شيئاً لن يحدث فبِتنا ليلة ١٧ يناير ١٩٧٧ شاكرين مُهللين إذ لن تزيد الأسعار التي تلهب سياطها الظهور..هكذا وعد الرئيس..حَمَد المصريون رب العباد و ناموا ليلة ١٧ يناير حالمين بإستمرار السَتر صابرين علي ما إبتلاهم من كوارث أخري ليأتي مساءُ الشؤم من حيث لا يعلمون.

مساء ١٧ يناير ١٩٧٧..مجلس الشعب بالقصر العيني..ثلاث بيانات صادمة لنائب رئيس الوزراء للشئون المالية و الإقتصادية ثم لوزير التخطيط فوزير المالية..رفع الأسعار بإلغاء الدعم عن رغيف الخبز و الخضروات و المنسوجات الشعبية و الشاي و السكر و الدخان و الوقود..ألم تكن تلك هي السلع التي وصفتها الأهرام و الأخبار بالسلع الضرورية/الحيوية و التي "طالب" رئيس الجمهورية بتثبيتها و سَعَت الهيئة البرلمانية للحزب الحاكم لدراسة ذلك التثبيت في الليلة التي سبقت تلاوة هذه البيانات الثلاث..ما الذي حدث إذن و لماذا خالف هؤلاء الوزراء "طلبات" رئيس الجمهورية..هل كانت الأهرام و الأخبار تمارسان الكذب في نقل تلك الأنباء أم أن الرئيس و من معه كانوا من الكاذبين..حدث ما حدث و كان الطوفان. قبل هذا التاريخ بحوالي أربعة أشهر كان ممثل صندوق النقد الدولي بالقاهرة "بول ديكي" قد تقدم للدكتور زكي شافعي وزير الإقتصاد في ذلك الوقت بمذكرة تحت عنوان "بعض الأفكار حول موضوع الإصلاح الإقتصادي" و قد تضمنت هذه المذكرة الوصفة/الشَربة التاريخية لصندوق الخراب الإجتماعي: خفض سعر الجنيه-رفع الدعم عن بعض السلع الضرورية/ الحيوية-خفض الإنفاق الحكومي، لتبدأ في الخفاء مفاوضات "الصندوق" و "السادات" المأزوم في وضع سياسي داخلي مضطرب بين يسار يناضل وحيداً و إسلام سياسي يضغط بقوة ليقتنص مكاناً دفع ثمنه مقدماً، و وضع إقتصادي إنكشف فيه وهم الإنفتاح الذي لم يأت بما كان يحلم به من ثروات إذ لكل شيئ ثمن لدي الغرب الذي سَلَم له مُعظم المفاتيح، و علاقاتِ إرتياب متبادل مع بعض النظم العربية التمردة بالإضافة إلي أن ديمومة ضخ أموال النفط  كانت محل شك إذ هي دائما ما تتوجه حسبما يأمر القابع وراء مكتبه البيضاوي في واشنطن. مضت الشهور الأربع بعد مذكرة "بول ديكي" و حكومة "السادات" تقول للمصريين شيئاً و تُرتِب لعكسه في الخفاء مع صندوق الخراب..الأهرام و الأخبار تطمئنان المصريين أن شيئاً لن يحدث بينما تُعد في مطبخ "السادات" أسوأ "شَربة" عرفها المصريون..إنتهت الأربع شهور ليفيق المصريون علي الطوفان.."مش كفاية لِبِسنا الخيش، جايين ياخدوا رغيف العيش".."يا حكومة الوِسط و هَز الوِسط، كيلو اللحمة بقي بالقسط".."يشربوا ويسكي و ياكلوا فراخ، و الشعب من الجوع آهو داخ".."إحنا الطلبة مع العمال، ضد حكومة الإستغلال".

نحو الأربعين عاماً منذ ذلك التاريخ..مازال صندوق الخراب الإجتماعي يمارس نفس الدور و مازالت "الشَربة" كما هي لا تغيير فيها سوي أنهم صاروا يطلبون من كل نظام أن يوافيهم بخطته التي لا تخرج بحال عن مكونات "الشَربة" الأصلية لكنها مُعَدَةٌ بيد المريض ذاته، فإن ثار أهله، كان الرد جاهزاً: أنتم من أعددتم بأنفسكم "شَربتكم" و أنتم من "شَرِبها"، فلا مجال حينذاك إلا للإنصات و الإذعان..ما يقرب من الأربعين عاماً و الوضع يكاد أن يكون متطابقاً..ضرائبٌ عالية علي الفقراء فقط، تحريرٌ للأسعار، رفعٌ للدعم، خفض الإنفاق الحكومي، تعويم الجنيه، و أضيفت الخصخصة حديثاً في ظل مفاوضات تجري في الخفاء كما هي العادة.

يقول أستاذنا الكبير المرحوم الدكتور "غالي شكري" في وصف إنتفاضة ١٨ و ١٩ يناير ١٩٧٧: "كان تمرداً يعلن أن "الثورة في الهواء" -تعبير لينين- و لكنها موجهة من داخلها علي أكثر من مستوي، فهي الفتيل و البنزين، و لم تكن قرارات الحكومة و إكتشاف الخديعة سوي عود الثقاب. و كان عود الثقاب ممكناً في أي وقت و لأي سبب آخر، فالثورة المُعلَقة لا تحتاج لأي عامل خارجي".. و كفي بكلام "غالي شكري" عظة و عبرة.

 

 

التعليقات
press-day.png