رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: دَرسُ الآزتيك وتوصيات صندوق النقد

في بداية التسعينات من القرن الماضي امتثل أبناء الآزتيك فسَلَموا تماماً وصار اقتصادهم "مُصَوَبَاً" (reformed) بمعايير صندوق النقد الدولي التي يسعي بها مديروه فساداً في أرجاء كوكبنا الحزين.. ما الذي حدث.. دخلت أبناء الآزيتك الدوامة الجهنمية علي أيدي بعض من من فتيانهم الذين عملوا و تدربوا بمؤسسات الإقراض الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي ثم عادوا لأجل تفعيل المبدأ الشهير "الإصلاح/التصويب" (Reform) بكل ما يحمله من ملامح لا تتغير بل -إن شئت الدقة- هي تزاداد توحشاً..تعويم العملة المحلية، خفض الإنفاق العام و بالتحديد علي الصحة والتعليم و دعم الفقراء، تغيير التشريعات لتشجيع المستثمرين الأجانب لأجل تدفق الأموال من الخارج الي جنة الليبرالية الموعودة لتكتمل الصورة بإنضمام بلادهم لإتفاقية التجارة الحرة لدول أمريكا الشمالية (NAFTA) في 1993 حيث تتحرك الأموال ذهاباً و إياباً بحرية و بلا ضوابط لتذوب الموانع المالية بينما بقيت الحدود الجغرافية علي حالها و لم تندمج الشعوب.

في ذلك الوقت كانت الفائدة علي الدولار الأمريكي منخفضة للغاية، فكان المستثمرون الأمريكيون يقترضون من البنوك الأمريكية استفادة من السعر المتدني للفائدة التي يدفعونها ثم يقومون بتحويل أموالهم إلي الجنة الموعودة/الآزيتك/المكسيك حيث العوائد الضخمة و المضاربات الفاحشة في البورصة و الأراضي. في بداية عام 1994 إرتفعت أسعار الفائدة علي الدولار الأمريكي ليقرر أصحاب الإستثمارات أن يعودوا من حيث أتوا حيث الأرباح ستكون أعلي ببلادهم (و هل لأحد أن يسأل صاحب مال في ماله فيمَ أودعه أو لماذا إستدعاه)، فعمدوا إلي سحب أموالهم من المكسيك -التي كان لديها إحتياطي من النقد الأجنبي يقدر بنحو 25 مليار دولار- و تحويلها مرة أخري إلي عاصمة العالم.. و لِمَ لا فالNAFTA تسمح بذلك بلا شروط لينهار إحتياطي المكسيك من النقد الأجنبي و يفقد "البيزو" المُعَوم نحو نصف قيمته..تلك هي آليات العرض و الطلب..تلك هي أسس النظام الذي دخلته المكسيك علي أيدي أبناءها من فتيان مدرسة الإقتصاد الحر، لتجد نفسها وحيدة منبوذة مُحَطمة علي حافة الإنهيار والإفلاس، لكن هل تقف الضواري دون أن تفترس الضحية البائسة مُنهَكَة القوي..لا و الله فتلك ليست عادتها و لا غريزتها..ما الذي حدث..في نهاية هذا العام التعيس، أتي صندوق الشؤم الدولي يتهادي مُتَقدِماً الصفوف قائداً لخطة "الإنقاذ" مُمَثلاً لعاصمة العالم. كانت خطة الإنقاذ تضمن للمكسيك الحصول علي قروض بمقدار 54 مليار دولار كان نصيب أمريكا منها نحو 20 ملياراً بينما بلغ نصيب الصندوق نحو 18 ملياراً و كان لمؤسسات الإقراض الأخري و بعض الدول و البنوك العالمية نصيب ثالث بنحو 16 ملياراً أخري في مقابل شروط جديدة تمثلت في السماح للأجانب بتملك البنوك الوطنية و بيع ما تبقي من ممتلكات أبناء الآزتيك  من الموانئ و السكة الحديد و البتروكيماويات و الإتصالات، و فرض ضريبة "القيمة المضافة" و الأهم هو أنه قد تم الإتفاق علي إيداع كافة الإيرادات النفطية في بنك الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي رهناً مقابل الديون..لم تنته مأساة أبناء الآزيتك عند هذا الحد إذ إضطرت المكسيك لإتخاذ مزيد من الإجراءات "القاسية"، فإرتفعت نسبة ضريبة القيمة المضافة إلي 15٪، و إزدادت أسعار الوقود و الطاقة بنسب تراوحت بين 30٪ و 50٪، و إنهارت بنوك ضخمة و أفلست شركات كبري، و صارت المكسيك تعتمد علي إستيراد غذاء أبناءها من الخارج (و هل الخارج "الأقرب" سوي عاصمة العالم)، و إرتفع التضخم إلي نسب خيالية و تفاقمت البطالة و إنتشرت الجريمة لينهار مجتمع أبناء الآزتيك و ينكشف إقتصادهم و تدخل بلادهم دائرة الإقتراض الجهنمية فيظل بقاؤهم علي خريطة الإنسانية رهناً بما يضخه القابع خلف المكتب البيضاوي من مالٍ حسبما أراد و كيفما أراد و بأي قدر أراد..لم تنته القصة بعد..في إبريل الماضي كانت المكسيك تتمتع بخط إئتمان قدره 67 مليار دولار من صندوق الشؤم لكن حساسية إقتصادها لآليات السوق أدت إلي مزيد من الإنهيار لتطلب في مايو زيادة الخط الإئتماني الي 88 مليار دولار فيستجيب الصندوق و تستمر الدوامة.

كان هذا هو درس الآزتيك الذي يبدو أن أحداً لم يَعيه ببلادنا التي إبتُليَت بفِتيان و فتيات من أبناء "آدم سميث" مِمَن كان بعضهم -و مازال- يعمل بالصندوق و البنك الدوليين و قد تمكنوا من إقتصاد مصر (تماماً كما حدث بالمكسيك) في غفلةٍ من الزمان و أصحابه..هؤلاء الفِتيان و الفتيات الذين تحولت "الليبرالية" لديهم من "أيديولوجيا" تقبل التطوير و النقد (بل و النقض) إلي محض "دوجما" فجعلوا منها لاهوتاً مُقدَساً لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه دونما أدني إعتبار لقيم الإنسانية التي بلغت أحط مستوياتها علي إيديهم غير الكريمة..لَهَفي علي الوطن العزيزِ شديدُ أو كما قال والد الشعراء "فؤاد حداد":

رَأيت بلادي يصبوا الشَر في جحيمــــــها

حُفرة مساخر جبال آسيا ما تِردِمـــــــــــها

نَزَعت من صِدري ريشة و رُحت أرسمها 

التعليقات
press-day.png