رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب قصة صندوق الخراب: «النظام» ما بين «كينز» و«وايت».. #ارفض_قرض_صندوق_النقد

منتصف 1944..كان بركان جنون الدم الكوني قد إتضح ملامح نهايته.. في الشرق، خرج الدب الثقيل منتصراً ليبدأ في إعادة تشييد إمبراطوريته من تحت أطلال ملحمة "لينينجراد" الخالدة مدعوماً بتراث فكري عريق و قوانين علمية هائلة ومنهجية فلسفية جبارة أضيف إليها نظام صارم له ما له و عليه ما عليه، و في غرب الكوكب كانت قبعة "اليانكي" تزداد إرتفاعاً برسم المال الوفير وكنوز الذهب الأصفر والأسود بينما بدت عجوزُ العالم - بين هذين العملاقين الشابين- شمطاء مُثخَنَة الجراح تحتضر ولا تكاد تقوي حتي علي مجرد قدرة البقاء.

في يوليو من ذلك العام كان اللقاء الذي حدد معالم ثلاثين عاماً قادمة ثم عشرين أخري تلتها إنفردت بنهايتها إمبراطورية المال والدم بحكم العالم.."نيوهامبشير" هناك في أقصي الشمال من الشاطئ الغربي لبحر الظُلُمات حيث كان قُدامي الجغرافيون العرب يعتقدون أنه نهاية اليابسة إذ يرون الشمس تغطس فيه ليسود الظلام.. فندق "مونت واشنطون" بغابة "بريتون وودز" الهادئة جداً حيث إلتقي الرجلان فكانت ضربة البداية لجموح بركان المال السياسي وبداية دورة جديدة من صراع الآلهة و الشياطين علي هذا الكوكب الحزين. كان لإختيار المكان دلالة وإشارة بليغة (عادةً ما تُعَد الخطط هائلة الأثر في أماكن هادئة في هذا الجانب من العالم.."كامب ديفيد" مثالاً آخر).

كان الرجلان هما فرسا الرهان، "جون مينارد كينز" مستشار الخزانة البريطانية  و"هاري ديكستر وايت" كبير الباحثين الماليين بالخزانة الأمريكية ومعهما بعضٌ من الناس لم يكن للدب الثقيل ولا أتباعه مكان ضمنهم.

كان لقاء آلهة المال وشياطينه في "بريتون وودز" يهدف بالأساس إلي منح عجوز العالم الشمطاء قُبلة الحياة للحيلولة دون توجهها صوب معسكر الدب الثقيل وشريطة ألا تخرج عن "النظام" الذي يرسخه السيد "وايت" ويخفف السيد "كينز" من غلوائه لكنه لا يخرج عن سياقه العام.. لم يختلف الرجلان إذن بل كانا في حقيقة الأمر يعملان في نفس المسار.. كان أحدهما يخطط بسفور بالغ الوضوح لتثبيت "النظام" وكان الآخر يسعي لذات الهدف لكنه كان يقدم من التوصيات ما يكبح من جموحه فيحول دون إنهياره السريع.. كانت توصيات السيد "كينز" تتركز في منح "النظام" بعضاً من المرونة تضبط وحشيته قليلاً بتحجيم آليات عمله مُطلقةُ الحرية من خلال تدخل الدولة للتحكم في الطلب بخفض أسعار الفائدة وضخ قدر مُعتبر من السيولة النقدية لأجل خفض معدلات البطالة وتشغيل الأيدي العاملة في مشاريع البنية التحتية، لكن لم يُكتب لتك التوصيات -التي لم تمس جوهر "النظام"- القبول ليفوز باللقاء السيد "وايت" صاحب السُفور فصار الدولار هو عُملة العالم و تحددت قواعد تحويل الذهب.

كانت تلك هي بداية نشأة البنك وصندوق النقد الدوليين ثم تبعتهما خطة/مشروع "مارشال" لإعادة شباب شمطاء العالم الذي ما أن حدث إلا و تحولت وجهة المؤسستين صوب الجنوب و لأغراض تناولناها في مقالات سابقة.

نفد نصف إحتياطي "اليانكي" من الذهب بحلول عام 1971 ليقف إقتصاده علي حافة الهاوية إلي أن إتفق مع "آل سعود" علي ربط سعر النفط بالدولار فقط فصاروا يبيعونه علي أن يستثمروا ثمنه في سندات علي الخزانة الأمريكية مقابل فوائد هزيلة (أي أن "اليانكي" قد حصل علي النفط مقابل مجرد أوراق فلم يخرج من القارة الأمريكية أي ثمنٍ له سوي ما يدفعونه من هزيل الفوائد) لتحذو دول الأوبك حذو "آل سعود" و يعود للدولار بريقه مرة أخري حيث لم يسمح "اليانكي" منذ ذلك التاريخ بأن تكون هناك عُملة تنافس الأخضر العملاق، ولعل القارئ الكريم يتذكر مشروع العراق "النفط مقابل الغذاء" في عام 2000 الذي بدأ "اليورو" من خلاله في لعب دور ملموس، فكان ضرب العراق ومشروع عودته بل وهدمه علي رؤوس أهله بعد ذلك التاريخ بثلاث سنوات فقط، ثم يُضرب إتحاد البريكس في مقتل من خلال إستنزاف قوي أعضائه في مشاحنات مُنَغِصة علي الحدود (الهند و باكستان-الصين و التيبت) ومشاريع إستقلال أقاليم (روسيا) وإضعاف إقتصادات واعدة (البرازيل و جنوب إفريقيا) لأجل سحق حلم "البريكسو" عملة الإتحاد، ثم تخريب الإتحاد الأوروبي مؤخراً من خلال إغراق بعض إعضائه في ديون الصندوق والبنك الدوليين (اليونان والبرتغال وإسبانيا) وإنسحاب البعض الآخر حتي وإن كان تواجدهم به تواجداً شرفياً (بريطانيا)، فلا شيئ يهم سوي عُملة العالم الخضراء.

في 2008 كادت إمبراطورية المال أن تهوي إلي غير رجعة وكاد أخضرِها أن يزول ليعود إقتصاديوها إلي كُتُبهم العتيقة فيبحثون فيما إقترحه "كينز" منذ 65 عاماً ويطبقون توصياته بل ويذهبون إلي ما هو أبعد، فيكون تأميم بعض المؤسسات المالية المنهارة لإنقاذ "النظام" الذي ما لبث إلا أن تعافي بمرور الزمن وبفعل ما أصاب الإمبراطورية من هلع حين جُن جنونها فإنطلقت في سُعارٍ تثير مزيداً من الفتن والحروب الأهلية، وتدمر البني التحتية والفوقية لمجتمعات الجنوب لأجل تسويق السلاح ثم إعادة التعمير فتزدهر أعمال شركات المقاولات التأمين والبنوك وتنتعش أسهمها بأسواق المال، ليظل الدولار هو عُملة العالم و يظل السيد "كينز" والسيد "وايت" يتبادلان الحضور لإنقاذ "النظام".

#ارفض_قرض_صندوق_النقد

التعليقات
press-day.png