رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: عن الثورة والعِلم

رئيس مصر يتحدث في مديح "الفَكَة" كمدخلٍ لوذَعيٍ للإنطلاق صوب المستقبل.. زعيم اللصوص في التلفزيون يُرَوج لعودته بسلامة رَبه لقاء حفنة من المال الحرام..لصٌ كبير يعطينا دروساً في كيفية إصلاح ما تأزم بسببه..عَرابُ إقتصاد الخدمات يحدثنا -في الرد علي اللص الكبير- عن الفارق بين "التنمية" و"النمو" من وجهة نظر الرأسمالية الرثة التي يدافع عن مصالحها.. الإصلاحيون المَحَليون يمارسون طقوسهم السرمدية في حُب ثم إنقاذ الرأسمالية من مأزقها التاريخي ويرحبون -كالمعتاد- بقرض صندوق النقد المشئوم.

وصل سعر الدولار بالسوق “الحر” لما يقارب الخمسة عشر جنيهاً..كبير الديبلوماسية يبكي مُتأثراً بوفاة سافِكُ دم الأهل الذي حضر سفيره عرضاً فنياً بالمسرح "القومي" في الليلة الكبيرة للإنتصار محتفلاً "بكيبور" بين أصدقائه والشركاء.. تتوالي الإنجازات الديبلوماسية بالتصويت علي قرارين شبه متناقضين بمجلس.. تسع أخطاء لُغَوية في كل دقيقة شَنَف فيها رئيس البرلمان المصري آذاننا بعباراته البليغة بمناسبة الإحتفال بمرور قرن و نصف علي إنشاء أول برلمان مصري بينما ترك نائبٌ بالبرلمان -أو هكذا يصفونه- كل مشكلات الوطن لينادي بضرورة إجراء فحوصات لعذرية طالبات الجامعة فياله من برلمان و ياله من إحتفال ذهبت فيه نضالات المائة و خمسين عاماً أدراج الرياح..

مازال حريق قش الأرز يتحدي صحة المصريين للسنة الخامسة عشر..لا أنباء عن سد النهضة..دماءٌ علي أسوار المعابد و نفوس تكاد الطائفية أن تنتزع ما تبقي من إنسانيتها..بعض المهمومين بآلام و آمال أبناء مصر مازالوا يكابدون العَنَت بديلاً عن تكريمٍ مستحق..الإفراج بشق الأنفس و بالضغط المرير عن آخر "المعروفين" من محابيس "تيران و صنافير" الذين سُجِنوا بإعتبارهم خونة للوطن حين رفضوا التنازل عن أرض ذات الوطن (ياللعجب)..مَقتَلَة في خليج "رشيد" بلا عقاب، وأزمة في الأدوية و لبن الأطفال والمحاليل الطبية وبعض المواد الغذائية..إرتفاعات قياسية بأسعار البضائع و الخدمات تجاوزت مدي القدرة علي مجرد إحتمال الحياة.

عندما تطالع الصورة من منظور كُلي لن تجد شيئاً يمكنك أن تناقشه بموضوعية إذ طَغت السطحية و تَمَكَن التهافت لتتحول أي محاولة نقاشٍ جادٍ إلي ما يشبه رحلة بين الأمواج لا أحد يعرف مُستقرها تماماً كما مركب “رشيد”. و أنت إن جازفت بمثل هذه المحاولة بنية حسنة، فلن تنال سوي تشويش رؤيتك الصافية و إستنزاف طاقتك الإيجابية في الخوض بتفاصيل التفاصيل حيث يقبع الشيطان في الثنايا ليصطحبك بعيداً جداً عن كل السياقات المنطقية و يدخل بك مُرغَماً إلي مساراتٍ متشعبة ضمن متاهةٍ بائسة مُشَوَهَة تنتهي إلي مآلاتٍ أشد بؤساً و أكثر تشوهاً، لتصبح محاولة النقاش -مجرد المحاولة- ضرباً من ضروب العَبَث الإستثنائي.

ما حدث في يناير/فبراير 2011  لم يكن سوي حتمية تاريخية أعاق تقدمها غياب بل -إن شئت الدقة- "تغييب" المنهج العلمي لتشمل حالة الغرق عموم الوطن من أدناه إلي أقصاه بين هراء الخرافة و سلبية الجهل ولذيذ الخَدر.. حركة التاريخ “اللئيم” (كما كان المُعلم “هيجل” يصفه) تسير دائماً للأمام، لكن هل يمكن لتاريخنا أن يتقدم دون أن يتوافر لنا “وعي” دقيق و “تحليل” موضوعي لواقعنا فننتقده ثم نُراجع نقدنا في ضوء المتغيرات التي تحيط بمجتمعنا بغرض البناء المتراكم لمستقبلٍ نُحدد أهدافه بدقة وفق خطة زمنية تقتضي مُتابعة مستمرة لما تَم و ما نسعي لإتمامه؟

هل يمكن أن نسير بتاريخنا للأمام بدفع عشوائي يقوم علي القفز في الفراغٍ ليصير مجمل تَقَدُم التجربة مُرتَهَناً بما تفرضه قوي تعمل لإجهاضها؟ و لماذا إنتهي حراكُنا النبيل بأن قفز وهم الخرافة إلي سدة الحكم فتواري العقل و توقفت حركة التاريخ بعض الوقت ثم ما لبثت أن دفعتها خيابات الضلالات للتحرك ثانيةً ليعود العقل فينزوي مرة أخري أمام طغيان القوة الصارمة التي هي في واقع الأمر لاعبٌ أساسيٌ في معادلة "تغييب" المنهج العلمي و وجه آخر من أوجه تعويق تقدم حركة التاريخ. الحديث ذو شجون، لكن إمكانات التقدم مازالت قائمة شريطةَ سيادة العقل النقدي الذي يَعي واقعه و إمكانات مجتمعه بمنتهي الدقة و يجيد المناورة وفق متغيرات الواقع بعيداً عن تحالفات لحظية لا تؤدي إلا الي مزيد من التراجع ومن ثَم تعويق حركة التاريخ.

التعليقات
press-day.png