رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

علي خيري يكتب: يوم في حياة ثور

أصبحت أكره نور الشمس، لأنه دليل على بداية يوم أخر من العذاب الذي يطلقون عليه أسم العمل، أسوأ ما في حياتي أنهم يعتبرون عذابي في سبيل خدمتهم هو السبب الوحيد الذي خلقت من أجله، هم لا يتصورون أن لحياتي هدف أخر، وانا مع الوقت أصبحت مثلهم لا أعرف شئ في الحياة غير ذلك، أصحوا من النوم لأعمل وأنام لأصحوا وأعمل وهكذاعشت حياتي منذ غدوت ثورًا قادرًا على الدوران في الساقية.

 

المهم أنني يجب أن أستيقظ الآن، لكي لا يأتي مالكي ويضربني ويسبني بأقذع الألفاظ وهو يتصور أنني لا أفهم، ولكني في حقيقة الأمر أفهم عن طريق إحساسي، فالمشاعر لغة كونية يفهمها الجميع حتى ثور مربوط في ساقية، الكل في هذا العالم يحصل على يوم أجازة إلا إثنان، ثور في ساقية، وعامل في بلد بلا قانون كالتي أعيش فيها، عرفت ذلك لأنني أرى عم صابر العامل يمر بجواري كل يوم، أنظر أليه برثاء فأنا أعرف معاناته، ولكن هل يعرف هو أنني أشعر بهذا.
 

لقد علمت من زوجتي الجديدة وهي بالمناسبة أجنبية وفدت إلينا من نيوزلندا، علمت منها أن هناك شئ ما يسمى بالقانون، هذا القانون له أثر غريب عليهم كما حكت لي أثناء نوبة بكاءها بعدما قام صاحب المزرعة بضربها بالعصا في الطريق حينما أصر على تحميلها أجولة تفوق طاقتها، هى أستغربت جدا من مساعدة الشرطي لصاحب المزرعة في ضربها، وكانت قد ظنت أن الفرج جاء بمجيئه، والوصية الوحيدة التي قالها الشرطي، أن تذبح هذة البقرة وتستبدل بحمار أو حصان، وشدد على صاحبنا أن يحجز له قطعة لحم معينة من زوجتي بعد ذبحها.
 

أخبرتني زوجتي أن القانون هناك يسري على الجميع حتى البشر، فكرت أنا هذا بالتأكيد يشمل عم صابر العامل ، وقلت أنه سيسر جدا لو عرف بموضوع القانون هذا، ولكن من أين يأتي العم صابر ببقرة من نيوزلندا لتخبره بوجود القانون؟؟؟.
أخذني أبن صاحب المزرعة الى الساقية فوالده اليوم في أجازة، لي أسبوع وأنا أشعر بأنني لست على ما يرام، اليوم تدهورت صحتي أكثر وأكثر، صرت أمشي بصعوبة وشهيتي شبه منعدمة، خلال هذا الأسبوع لاحظت زوجة صاحب المزرعة تأخر حالتي الصحية، فلقد كانت تشكوا بإستمرار من شراهتي، أما الأن فلم أعد أتناول طعامي كعادتي، نادت زوجها وقالت له هذا الثور مريض، نظر الرجل إتجاهي بقلق وقال ما به؟ أنا غير مستعد لمرضه فالأدوية غالية، قالت الزوجة وهي تنظر نحوي في أسى : أخشى ألا يصمد .     
مر عم صابر كعادته إلا أنني لاحظت في نظرته لي شئ غريب، أحسست أنه أصبح يفهم أني أشفق عليه، ولكنه كان يمشي والإعياء واضح عليه، هل هو الأخر مريض ولا يجد من يعالجه، أم أن العلاج مرتفع السعر كما قال صاحب المزرعة .
في وسط النهار شعرت بإعياء شديد، حرارة الشمس ضاعفت من شعوري بالمرض، وفجأة سقطت على الأرض، وعندها أحسست أنني أعيش في لحظاتي الأخيرة، تردد أبن صاحب المزرعة ثم ركض الى حقيبة كان يحملها وأخرج منها شئ يلمع، لم أميزه، ولكنني رأيت مثله في يد صاحب المزرعة يوم خرج بأبي ولم يعد به.

 

أثناء سقوطي على الأرض سمعت صوت صافرة ألتفت اليها، فوجدتها تصدر عن سيارة مغلقة أبوابها من الخلف، فتح الباب فأطل منه عم صابر وهو مكمم بكمامة متصلة بأنبوب لم أعرف ما وظيفته، وكان العم صابر يستند على رجلين يرتديان البياض، نظر إلي وأنا ملقى على الأرض وألتقت أعيننا و أتفقتا على أنها النهاية.
نهاية ثور في ساقية، وعامل بلا قانون يحميه.

 

 

التعليقات
press-day.png