رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: عن الثورة و الدولة (١)

هل يمكن لأي ثورة أن تفرض نفسها “سياسياً” دون ملمح “إجتماعي” و “إقتصادي” يحدث من خلالهما تغييراً ملموساً بنمط الحياة فيتبدل بموجبه التركيب الطبقي للمجتمع في شكل ترتيب جديد لعلاقات الإنتاج و ملكية وسائله..هل يمكن أن يقتصر نجاح أي ثورة علي بعض المكاسب و النجاحات السياسية في مجال الحريات العامة و الخاصة -إن وُجدت- دون أن تُتَرجم تلك المكاسب و هذه النجاحات إلي أسلوب مُغاير في طريقة إدارة الدولة.

لقد نشأت الدولة -تاريخياً- عندما إنقسم المجتمع إلي طبقات لكل منها مصالحه المتناقضة، و بالتالي فإن الدولة “كجهاز” قد لحقت في نشوئها علي نشأة المجتمع “ككتلة بشرية” “ببقعة جغرافية” في “حقبة زمنية” ما لأجل حماية مصالح الطبقة التي لها غلبة الملكية. خذ عندك أمريكا مثالاً..الطبقة التي تملك وسائل الإنتاج هي التي تحدد شكل الدولة و آليات عملها و إختيار أركانها (أعضاء البرلمان بغرفتيه الذين يسمونهم “صناع القانون” Law Makers، ورئيس الدولة ونائبه وجهازه التنفيذي الذي يسمونه «الإدارة» Administration ويطلق علي الوزراء مسمي "السكرتارية" Secretaries بالإضافة إلي أصحاب المناصب المؤثرة بمراكز إتخاذ القرار الحساسة كالبنك المركزي (الإحتياطي الفيدرالي) و مهندسي سياسات السوق/السوء حيث لا فرق كبير بين قَافِها و الهَمزَة).

و يُلاحظ في هذا الصدد أنه لا يُسمح لمن لا ينتمي لغير الحزب الجمهوري و الحزب الديمقراطي الذين وُلدا في كَنَفِ الطبقة المالكة و برعايتها و تمويلها بأن يكون إختياراً مُتاحاً في أي إنتخابات إذ يجري –وفق آليات إبتدعوها- إستبعاد من ليس منهما (رالف نادر ١٩٩٦/٢٠٠٠/٢٠٠٤/٢٠٠٨ مثالا)..إنهم يصنعون وعياً زائفاً لدي أفراد الطبقة الأخري التي لا تملك شيئاً من وسائل الإنتاج من خلال زخم إعلامي مكثف و مبهر و ساحر -تتداخل فيه عوامل دينية و عرقية- يظنون بموجبه أنهم يُقررون لبلادهم بينما من يرسم السياسات و يصنع القوانين و يحافظ علي نمط الملكية علي حاله هم حاملي لواء أصحاب المال..هؤلاء هم إذن أصحاب القرار الحقيقي و هم أساس الدولة التي صارت خادماً للطبقة المالكة. لقد إخترعت الطبقة المالكة في أمريكا بمرور الزمن -إذن- دولتها بكل مؤسساتها بما فيها مؤسسات القوة المسلحة التي تحتكر إستخدام العنف لحماية ملكياتها من الوقوع في أيدي الذين لا يملكون في الداخل (الشرطة) و أيدي الذين يُخشي بأسهم من الخارج (الجيش)، لتتطور تلك القوي الرادعة وبالذات الخارجية منها لتمتد إلي ما وراء الحدود موسعةً بذلك نطاق الردع درءاً لما يقرره أصحاب تلك الملكيات من مخاطر يزرعون بذرتها عبر الزمن فيما أسماه «مايكل مور» «صناعة الخوف»، لينتهي الأمر بنوعٍ مُتنامٍ من "التناقض" بين مصالح الطبقة محدودة العدد التي تملك كل وسائل الإنتاج و الدولة التي صنعتها لحماية مصالحها من ناحية و بين الطبقة الأعظم عدداً و التي لا تملك سوي قوة عملها من ناحية أخري بما ينشأ عنه مستوي من "الإنفصال" بين الطبقة التي لا تملك و بين الدولة يتزايد بشكل طردي مع توسيع حيز "التناقض".

و أنا هنا لا أقدم نقداً للمجتمع الأمريكي و لا للدولة أو الإدارة القائمة عليها، إذ كانت لي سابقاً -و لا داعي للتكرار- بعض الإجتهادات التفصيلية في سياق النقد البحت، لكني أردت فقط أن يكون هذا الطرح مدخلاً ملموساً لفهم أبجديات تَشَكُل الطبقة و مدي إرتباطها بالدولة في نطاق صراعها الضاري للبقاء، ذلك الصراع الذي يحتوي علي عوامل كامنة تهدد "وجود" تلك الطبقة في ذاته بسبب إزدياد حدة "التناقض" و من ثم "الإنفصال". إن غرضي ليس سوي تمهيد الطريق لمحاولة الإجابة علي السؤال المُغرِق في محليته الذي بدأت به: هل يمكن لأي ثورة أن تفرض نفسها دون أن يتبدل التركيب الطبقي لمجتمعها في شكل ترتيب جديد لعلاقات الإنتاج و ملكية وسائله..دعونا نطرح السؤال بشكل أكثر مُباشَرَة: هل واكب الحراك الإجتماعي بمصر الذي بلغ ذروته في يناير/فبراير ٢٠١١ ثم ما تلاه من أحداث حتي هذه اللحظة أي بُعد طبقي يؤهله لمستوي آخر من مستويات فرض واقع مختلف. في مجال محاولة البحث عن إجابة يجدر بنا دراسة كيفية نشوء و تطور الوضع المجتمعي بمصر علي مدار سنوات طوال، ذلك الوضع الذي آل إلي إحتكار طبقة معينة لكل شيئ بدءاً من ملكية وسائل الإنتاج و تحديد علاقاته إلي السيطرة علي عمل الدولة بشكل مباشر فج (لا حتي من خلال جهاز "منفصل" -شكلاً- يخلقونه علي نسق النموذج الأمريكي) مما أفضي إلي مزيد من إقصاء الآخر ثم التناقض فالإنفصال لينتهي الأمر بمجتمعٍ جاهز للإنفجار. يجدر بنا في هذا السياق بحث تأثيرات/مساهمات بعض الظواهر الإجتماعية كدور المثقفين و سيطرة الطبقة المالكة علي الآلة الإعلامية الضخمة للتحكم في الذهنية العامة للمجتمع و دور الظاهرة الدينية بكل مشتملاتها (الدين-التدين-الأيديولوجيا الدينية كبديل) في خلق و/أو ترسيخ هذا الوضع المجتمعي ليتحول أصحابها من مجرد عامل مساعد إلي لاعب رئيسي فعدو لابد من القضاء عليه. يجدر بنا كذلك بحث مركز تَمَوضُع بعض المؤسسات الهامة التي نشأت لحماية مصالح الطبقة المالكة ليتطور دورها فتدخل منافساً في مجال ملكية وسائل الإنتاج و تحديد علاقاته لتصير في ذاتها "طبقة".

للحديث بقية، إن كان في العُمر بقية.

التعليقات
press-day.png