رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: عن الثورة و الدولة (٢)

واكب تغيير البنية السياسية بعد ١٥ مايو ١٩٧١ تغييراً آخراً ارتبط برؤية الرئيس "السادات"  الذي وجد نفسه قبل ذلك التاريخ بثمانية أشهر وريثاً لحكم مجتمع مُثقل بالأعباء لكنه مُستقر طبقياً -علي نحوٍ ما- بمقتضي تغيير جوهري جري في هيكله البنيوي إذ ضُربت مصالح طبقة وانتعشت مصالح طبقة أخري خلال ثمانية عشر عاماً عُرِف عنه -السادات- خلالها أنه رجل مُطيع لا يشاغب ولا يعترض بل يرحب دائماً بابتذال في كثير من الأحيان وبتهور في أحيان أخرى بكل ما يفعله الرجل الكبير الذي اختفى فجأة فترك خليفته في مأزق بين رجال يديرون الدولة بطريقة خاصة جداً حيث وجدوا في "السادات" -من خلال ما حرص هو شخصياً علي أن يعُرف عنه- مجرد دُمية خشبية يحركونها بخيوط لا تُري من وراء ستار..

تغيرت البنية السياسية بعد ذلك التاريخ نتيجةً لصراع القَصرٍ الذي حسمه "الحرس الجمهوري" لصالح الرئيس الجديد كرمز للشرعية الدستورية، حيث دان له نسبياً أمر الحكم الذي كان لابد له كي يستقر كاملاً من تغيير مجتمعي يهز جذرياً تركيبة طبقية كانت قد بدأت ملامحها في التكون أيام سابِقِهِ حيث تجلت في شعار "تحالف قوي الشعب العامل" الذي طرحه "ناصر" كمرحلة وسيطة للإنتقال إلي الإشتراكية من خلال خلق تحالف طبقي يضم كل من يكتسب رزقه من عمله الذهني أو العضلي مضافاً اليهم البورجوازية الصغيرة التي أطلق عليها مُسَمَي الرأسمالية الوطنية بإعتبار أن أفراد المجتمع من تلك الشرائح الإجتماعية يمثلون أغلبية الشعب المصري.

وفي رأيي أن هذا الشعار كان من الممكن أن يجد طريقه للتطبيق "الناجح" و من ثَم يستمر و تترسخ دعائمه في ظل حركة التصنيع الضخمة و تحديث الزراعة التي وضع "ناصر" لبناتها لو كان تطبيقه للشعار قد إرتبط بجماعات و تنظيمات "مستقلة" عن الدولة تصونه و تدافع عن مصالحها الطبقية التي إكتسبتها بموجبه في سياق ديمقراطي حقيقي و هو ما لم يحدث مع الأسف فكان أن تزعزعت أركانه  بعد كارثة ١٩٦٧ ثم تحلل فإنهار مع حكم "السادات".

إذن فقد ورث "السادات" - الذي لم يكن يملك مؤهلات سابِقِهِ ولا رصيده الشعبي- مجتمعاً يعاني ضياع الأرض و يصارع لاسترجاعها في ظل سيطرة رجال "ناصر" علي مفاصل الدولة مع وجدان شعبي غاضب بلا تنظيم سياسي مستقل. و لما تخلص "السادات" من رجال "ناصر" شرع في محو تراث "ناصر" لأجل تطوير شرعيته "الدستورية" بتحويلها إلي شرعية "شعبية" برسم إنتصار أكتوبر  ١٩٧٣ من خلال ثلاث محاور متداخلة علي نحو ما: ١) خلق "مجتمع" بملامح مختلفة ترسم معالمه تحالفات جديدة، و٢) تحييد "جهاز" الدولة الذي يدير عملها الروتيني اليومي بشكل تلقائي لكنه غير معزول عنه، و ٣) الدخول في "تحالفات" إقليمية و دولية مُغايرة تدعمه بعدما حرق كل الجسور مع الحليف الأساسي لسابقه.

ما يهمنا هو تفحص المحورين الأول و الثاني بقدر من التفصيل مع الإشارة إلي ما يتعلق بهذين المحورين من تأثيرات للمحور الثالث.

فقد "السادات" بعد حرب ١٩٧٣ الإتحاد السوفيتي حليف "ناصر" الأساسي (كانت بوادر إنقلابه علي السوفييت قد بدأت قبل الحرب-طرد الخبراء مثالاً) فشرع في التواصل مع دول الرجعية العربية التي مهدت له طريق التواصل مع أمريكا و "الإنفتاح" علي العالم الغربي بقِيَمِه الإقتصادية والإجتماعية المختلفة وهو ما أبعده شيئاً فشيئاً عن دول المقاومة العربية فصار مع بدايات ١٩٧٧ وحيداً معزولاً بين حليف دولي أساء إليه فلفظه وحليفٍ آخر راهن عليه فابتزه، و بين عالم عربي منقسم أحجم جزء منه عن مساعدته مالياً - كما وَعَد- وابتعد عنه الجزء الآخر بإعتباره خائناً، وبين مُجتمعٍ داخلي يغلي تحت وطئة إرتفاع أسعار السلع و الخدمات في ظل أوضاع إقتصادية إجتماعية بائسة إزدادت تدهوراً بنتائج الإنفتاح غير المدروس في ١٩٧٤. شرع "السادات" في تدشين تحالفٍ جديد مع قوي "الدين السياسي" المحافظ إقتصادياً و إجتماعيا و الذي لا يجد غضاضة في قبول نمط إقتصادي مُعادٍ للتقدم و التنمية و الانتاج ولا يعرف للديمقراطية من فضل، بعد الخلاص من رجال "ناصر" لضرب اليسار المصري بمفهومه الواسع و لغرض تفريغ الساحة -طبقياً- من محتواها القديم في ظل غياب شبه كامل لتنظيمات سياسية مُستقلة شرعية تصون وتحمي المصالح والمُكتسبات الإجتماعية لأغلبية المصريين.

ترتب علي زلزال الانفتاح الإقتصادي أن استشرت أنماط الاستهلاك الترفي التي لم تتوافر لأغلب الشرائح الإجتماعية دُخولٌ كافية للإنفاق عليها، فإضطرب المجتمع "ذهنياً" تحت وطئة تناقض فكري بين الإنبهار بقيم الإستهلاك الغربي البراقة من ناحية وبين ما يطرحه خطاب الحليف الجديد ("الدين السياسي") من نمط حياة مختلف ينبذ الدنيا سعياً وراء الآخرة فقط ليختل جهاز القِيَم المُستقرة نسبياً لدي أفراد المجتمع المصري فيتحول المُجتمع شيئاً فشيئاً من مجتمع مُنتِج مُدرِكٍ لأهمية مساهمة و مشاركة "كل" أفراده -بغض النظر عن جنسهم و دياناتهم و أعراقهم و ألوانهم- في التنمية و البناء للمستقبل إلي مُجتمع خامل مُستَهلِك لما يُنتِجه الآخرون.

للحديث بقية، إن كان في العُمر بقية.

 

التعليقات
press-day.png