رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: عن الثورة و الدولة (٣)

بحلول يناير ١٩٧٧ كان الوضع الإقتصادي يزداد سوءاً بغلاء فاحش في الأسعار و دخول منخفضة للغاية و بداية إنهيار في البني التحتية من الكهرباء للتليفونات للمياه للطرق للمجاري، في ظل تبخر أحلام الإنفتاح الاقتصادي حيث لم تأت الإستثمارات الضخمة لخدمة أغراض التنمية لكنها أتت فقط للربح السريع الذي لا مجال لتوافره إلا من خلال نمط الإقتصاد الخدمي الذي يقتصر علي السياحة و البنوك و التجارة فإضطر "السادات" في يناير ١٩٧٧ للرضوخ لروشتة صندوق النقد الدولي التاريخية: خفض الإنفاق العام و رفع الدعم عن سلع الفقراء-تحرير الأسعار-تحرير سعر العملة مما إدي إلي إنتفاضة الخبز في ١٨ و ١٩ يناير ليعود السادات فيسحب قرارته ليبدأ في تنفيذ إستراتيجية جديدة تقوم علي تطبيق ذات القرارات لكن بالتدريج مع ترك الطبقة المتضررة من هذه القرارات -و التي كان يسعي لتحييدها حسبما ذكرت سابقاً- نهباً لقوي "الدين السياسي" الذي رأي فيها حليفه الأهم الذي لا يعارض سياساته الإقتصادية و الإجتماعية، مما أفضي إلي الإنفراد الكامل لتلك القوي بالشريحة الأعظم من الطبقة العاملة و التي تتمثل في موظفي الجهاز الإداري للدولة لتُشكِل وجدانهم حسب مقتضيات مصالحها. إنتهي التحالف بين السادات و قوي "الدين السياسي" عملياً في نوفمبر من نفس العام مع زيارته للكيان الصهيوني و بدء مفاوضات التسوية التي إنتهت بإتفاقية السلام الموقعة في مارس ١٩٧٩ و هي أمور لم تتمكن قوي "الدين السياسي" من التعايش معها بحكم بنية خطابها التاريخي ليلقي الرجل مصرعه علي يدي أحد أقطابها في أكتوبر ١٩٨١ بعدما كانت تلك القوي قد تمكنت بشكل ملموس من السيطرة علي "دماغ" المجتمع بتأثير تحالفه معها لتقتله حين وصل خلافه معها إلي المنتهي.

ترك "السادات" عالمنا و المجتمع يرزح تحت وطئة فكرٍ بدأ "بالميل" يميناً و إنتهي "بالذوبان/الغرق" شبه الكامل فيه مُرسخاً لنمطٍ رث من الرأسمالية البدائية التي تقوم علي اللصوصية أو في أفضل الأحوال تبني إقتصاداً خدمياً غير مُنتج..ترك "السادات" عالمنا و المجتمع مُضطربٌ "طبقيا" بين مطرقة "جهاز" دولة بائس مُترهل يدير عملها الروتيني اليومي مُنعزلاً عن التفاعل مع قوي المجتمع الحية و سندان خطاب ديني جديد زايد فيه "السادات" نفسه علي قوي "الدين السياسي" التي تحالف معها و التي صادف خطابها -الأكثر تطرفاً- هوى لدي المزاج الشعبي العام فتفوق علي مزايدات "السادات" بسبب الحرية النسبية التي أمنها هو نفسه لتلك القوي التي تشعبت أجنحتها بين مُعتدل و متشددٍ و متطرفٍ ثم ما لبث إن تمرد جناحيها المتشدد و المتطرف علي الرجل شخصياً فقتلاه كما أسلفت. و تجدر الإشارة هنا إلي مسألتين بالغتي الأهمية في إطار البحث عن علاقة تحلل "الطبقة" و تبدل ما إرتبط بها من نمط إقتصادي بتطور الذهنية الجمعية للمصريين:

المسألة الأولي: تتمثل في أن خلاص قوي "الدين السياسي" من "السادات" كحاكم لم يكن بسبب –مثلاً- أنه كان حاكماً فاسداً أو أنه سمح للصوص محليين و دوليين بنهب البلاد أو أنه ضرب ما إستقر من مصالح طبقية للفقراء لكنهم قتلوه لأنه كان من وجهة نظرهم مجرد حاكم "كافر" فحسب. خُلق بداخل المجتمع الهش المضطرب "طبقياً" نوع من الذهنية الجمعية التي ترضي بالواقع المؤلم و تقبل به و إن كان ظالماً فلا ترغب بتغييره ،بل و ربما ساورها الشك في أنها تتمتع بالقوة الكافية لتغييره. إحتُجزت فكرة -مجرد فكرة- الفعل الإيجابي الذي يفضي إلي التغيير ضمن حدود حذرة جداً لا تخرج عن خطابٍ خالٍ تماماً من أي دَسَم تحريضي مُنحاز للطبقة العاملة التي يرتبط تحقق مصالحها بالتنمية -لا النمو فقط- مما إنتهي بممارسة إقتصرت علي الدعاء علي الظالم كنوع من تفريغ ما في النفوس من غضب مع إلقاء مهمة التغيير الإيجابي و إسترداد الحقوق علي الرب الإله بإعتبار أن الحاكم هو إختيار إلهي و بالتالي فإن الخروج عليه حرام حيث الرب الإله بيده وحده سلطة تغييره (أليس هو من صاحب الإختيار الذي أتي بالحاكم) و هو إن أراد فَعَل من خلال رجاله (مقتل "السادات" علي يدي الجناحين المتطرف و المتشدد) و إن لم يُرد فالميعاد يوم القيامة حيث قصاصه العادل من الظالمين.

المسألة الثانية: تتمثل في نشوء آليات إقتصادية تعمل في ذات سياق أهداف و مرامي النمط الإقتصادي للرأسمالية الرثة فلا تتصادم معها "مضموناً" و إن بدت مغايرة "شكلاً" بإكتسائها رداءاً دينياً، حيث تواكبت سيطرة قوي "الدين السياسي" علي "دماغ" المجتمع مع السيطرة علي "جيبه" لتكتمل لتلك القوي عوامل التمكين في إنتظار الفرصة السانحة لقطف الثمرة. بدأت المسألة بالبنوك و إنتهت بشركات توظيف الأموال التي إستطاعت تجميع المليارات لتوظيفها في منتجات إستقرت طبيعتها بالعُرف المصرفي منذ عقود لكن بمسميات مختلفة تدر أرباحاً ضخمة للغاية و سريعة جداً..كانت تلك الأرباح تتحقق من خلال المضاربات علي الأسهم و السندات و العملات و المعادن الثمينة بالبورصات العالمية -علي ما بها من مخاطرة لم يكن هناك رقيب عليها فلم يتمكنوا من حسابها لتنكشف بذات السرعة مُخَلِفةً خسائر فادحة- بالاضافة الي تمويل أعمال التجارة من بيع و شراء مما أدي تدريجياً إلي نبذ مفاهيم حشد المدخرات الوطنية لتمويل أعمال التنمية التي تحتاج وقتاً طويلاً حتي تأتي بعوائدها التي هي بطبيعتها إجتماعية أولا قبل أن تكون مالية و ذات صلة وثيقة بتمكين الطبقة العاملة لصالح سيادة و طغيان مفاهيم الربح السريع بلا عمل جاد مُخَطط يطرح قيماً مضافة حقيقية بالمجتمع و يضمن وظائف دائمة لأفراده، ناهيك عن الهجرة المؤقتة لملايين من أبناء الطبقة العاملة بمفهومها الواسع الي دول الخليج ليعودوا مُحملين بأفكار غريبة لا تتناسب و طبيعة المجتمع المصري و تركيبته الطبقية.

 إنتهت هذه الذهنية بالمجتمع المصري إلي أن أصبح مجتمعاً يعيش علي السلب العام (إن صَح التعبير) فلا يسعي و لا يبتكر و لا يبدع بحُكم ما تم زرعه في العقول من أفكار تكره الحياة و الفن و الأدب، و تحتقر العلم و التطور، و لا تعبأ بضرورة التغيير و حتمية التقدم للأمام في عالم تتبدل ملامحه كل ثانية.

للحديث بقية، إن كان في العُمر بقية.

 

 

التعليقات
press-day.png