رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. منى مينا تكتب بعد تعويم الجنيه: محاولة لقراءة اقتصادية وليست مصرفية.. في القرارات الأخيرة

 

أولا: وحتى لا يبادر أي من المتربصين بنصيحة أن أركز جهدي في القضايا النقابية وبدل العدوى الذي لا نستطيع صرفه حتى الآن.. أنبه زملائي أن قيمة البدل الذي كنا سعداء به - حتى قبل أن نصرفه - انخفضت بالفعل من 1000 جنيه إلى حوالي 500 جنيه.. طبعا عن القيمة الشرائية أتحدث.. أما راتب الطبيب حديث التخرج الذي نجحنا بعد جهد جهيد في رفعه من حوالي 950 جنيه إلى حوالي 2200 حنيه، فقد تدهورت قيمته الشرائية لحوالي 1100 جنيه .

ثانيا: الحقيقة أن قيمة الجنية كانت تنهار بالتدريج خطوة خطوة.. وهنا برزت مقترحات مصرفية عديدة، وأثيرت بينها مناقشات عديدة لا يهمني الدخول فيها .

ما يهمني هو المشاكل الاقتصادية التي أدت لهذا الإنهيار الممتد البشع للوضع الإقتصادي وبالتالي لقيمة الجنيه، سواء تم تعويمه أو لم يتم.

مثلا: أصبحت هناك حقائق مرعبة أننا رغم كوننا الدولة الزراعية العريقة منذ 7000 سنة .. إلا أننا لا نزرع سوى نصف الأرض الزراعية الموجودة فعلا في الوادي والدلتا.. والفلاحين يهجرون أرضهم و يتركونها تبور لأن تكلفة الزراعة أعلى من ثمن بيع المحصول، أو الربح لا يساوي شهور العمل الطويلة لخدمة المحصول.. وبالتالي يهجر الشباب الأرض سعيا وراء أي عمل بالقاهرة وعواصم المحافظات.. أو يحاولون عبور البحر في سفن الموت سعيا وراء فرصة عمل و حياة كريمة.

ولذلك أصبحنا نستورد أغلب احتياجاتنا من الغذاء.. لا أتحدث عن استيراد الكفيار أو لحم الطاووس.. أو حتى عن استيراد أي نوع من اللحم ..و لكني أتحدث عن استيراد 90% من احتياجتنا من العدس و99% من زيوت الطعام، و كذلك الفول، والقمح ... وبعد هذا نتحدث عن أي سياسات مصرفية نتخيل أنها من الممكن أن ترفع أو حتى تقلل المزيد من التدهور في سعر الجنيه و حالة الاقتصاد ..

ثالثا: عندنا حوالي 2000 مصنع أغلق نتيجة خسائر، عدم قدرة على تصريف الانتاج.. عدم وجود تحديث للمكينات ليتمكن من المنافسة .. لم يفكر أحد في بحث أسباب خسائر هذه الشركات وإعادتها للعمل .. والكثير من المصانع الوطنية التي مازالت تعمل تتعرض لمشاكل وتعثررهيب.. ولا تجد صرخاتها من يسمعها.. وبالتالي يتقلص الإنتاج، وتقل الصادرات، ونضطر بعدها للإستيراد في كل شئ، كما يطرد العمال بدون عمل في الشارع لتقل القوة الشرائية، ويزداد ركود السلع احد الاسباب الهامة لتفاقم الازمة الإقتصادية، وبعد كل ذلك نتخيل أن هناك أي إجراءات مصرفية ممكن أن تقيل الجنيه من عثرته، أو تقلل التدهور القادم.

الأفدح أننا بعد كل ذلك نتخذ إجراءات كثيرة لجذب الاستثمار، أملا في قدوم الاستثمار الاجنبي ليقوم بفتح مصانع في مصر !!!! بينما المصانع المنشأة فعلا أغلقت و تغلق كل يوم، ويصرخ ملاكها للاستنجاد و لا تجد من ينقذها .. ثم نتخيل أن بعض الاجراءات المصرفية من الممكن أن تنقذ الجنيه أو تنقذ الاقتصاد ..بينما المصانع تغلق و الأرض الزراعية تبور ...

أيضا، السياسات الاقتصادية التي لا تتجه لتحميل الأزمة على القادرين ، عن طريق الضرائب التصاعدية ورفع الشرائح العالية منها، و لكنها بالعكس قللت الحد الاقصى للضريبة من 25% إلى 22.5 % ، بينما ترفع الضرائب على الاستهلاك (ضريبة القيمة المضافة) لترتفع الضرائب على المواطن البسيط في استهلاكه لكل السلع الضرورية، و تقلص الأجور عموما مع تجميد الحوافز، بينما تترك انفلات الحد الأقصى للأجور بإستثناءات عديدة لكل القطاعات المميزة تقريبا، هذه السياسات تتسبب في تقليص شديد للقوة الشرائية للسواد الأعظم من الشعب، بالأثار الخطيرة لذلك على المزيد من ركود الاقتصاد و تفاقم الأزمة الاقتصادية.

بإختصار ما أحاول الحديث عنه هنا هو أن إنقاذ الجنيه يحتاج لدعم الزراعة (الأرض الزراعية الموجودة فعلا قبل أن نتحدث عن استصلاح اراضي جديدة)، ويحتاج لدعم الصناعة (المصانع الموجودة فعلا قبل محاولة التنازل عن حق الدولة و المواطن في الضرائب للمستثمر الاجنبي لجذبه لسوق يعاني من الركود)، بدون معالجة مشاكل الاقتصاد فلا أمل في أن نجد أي إجراءات مصرفية قادرة على انقاذنا، وبدون دعم الزراعة والصناعة والعدالة الإجتماعية فلا أمل لنا في الخروج من الأزمة الإقتصادية.

 

التعليقات
press-day.png