رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

وفاء صبري تكتب عن ديمقراطية الخوف: مش أحسن من بريطانيا وأمريكا

غريزة الخوف من أقوى الغرائز الإنسانية وهى تنبع من غريزة البقاء، فكل ما يمس بقاء الانسان قابل لإثارة الخوف لديه. والبقاء لا يعني البقاء علي قيد الحياة، بل يمتد إلى حاجة الإنسان للشعور بالأمان والاستقرار، ليس فقط علي شخصه بل علي كل من وما يهمهم أمره.

وقد حاول الإنسان أن يتحرر من سيطرة غرائزه بالتحلى بقيم إنسانية سامية مثل التسامح وقبول الآخر والتعايش بسلام مع من يختلف عنهم فى العرق والدين. ومع تطور الحضارة أصبحت هذه القيم سائدة فى معظم المجتمعات فى الدول الحديثة، وصارت مبادىء ونصوص أساسية فى دساتيرها وقوانينها.

ولكننا نجد فى العالم الآن أمثلة لحكام وسياسيين فهموا جيدًا قوة تأثيرغريزة الخوف على الإنسان، فحرصوا على استغلالها ببراعة ونجحوا فى السيطرة على الجماهير بخطابات نارية متعصبة، تزرع الخوف في النفوس بدعوى الأمن والاستقرار، مشفوعة بما يعانيه العالم من مشاكل سياسية واقتصادية من إرهاب وبطالة وهجرة ونزوح اللاجئين. يحركون الجموع بإستخدام شعارات رنانة تحيي النزعات الوطنية المتشددة، وتستدعى أمجاد الماضى لتلهب الحماس بإستخدام خطاب عاطفي نجحوا به فى استدعاء غريزة الخوف التى حين تُؤجج تطيح تماما بالعقل والمنطق وتتوارى خلفها القيم الإنسانية السمحة.

ظهرذلك واضحا فى انتخابات الرئاسة الأمريكية التى فاز بها، وسط دهشة العالم، المرشح الجمهورى دونالد ترامب.  فبالرغم من تعصبه وخطابه العدائى العنصري ضد المسلمين والأمريكيين ذوى البشرة السمراء والأصول اللاتينية، ومع نظرته الدَنيا للنساء خاصة بعد فضيحة نشر تسجيل صوتي له تضمن عبارات خادشة للحياء، وتجاوزاته وتصريحاته الصادمة غير اللائقة، وفضح تحايله فى دفع الضرائب، بالرغم من كل ذلك فاز ترامب ليَظهر أن غالبية الشعب الأمريكى يساند العنصرية والتعصب ويفضل الإنغلاق على نفسه وعدم قبول الآخر، متناقضا بذلك مع القيم الأساسية التى قامت عليها الولايات المتحدة الأمريكية. ويرجع ذلك إلى أن ترامب توجه للناخب الامريكي بخطاب سياسي مختلف يعتمد علي أن  المصالح الامريكيه تأتي في المقام الأول، حتى وإن جاءت على حساب بعض العرقيات والدول الأخرى، ونجح بخطابه الشعبوى الذى تميز بالتعصب والعنصرية أن يستميل الجماهير بمخاطبة غريزة الخوف والبقاء لديهم، مستغلا قلق الشعب الأمريكى من ظاهرة الإرهاب والمشاكل المتعلقة بالهجرة، فصرح بأنه سيقوم ببناء جدار لحمايتهم من المهاجرين المكسيك الذين وصفهم بأنهم مغتصبين ومهربين، وتعهد بحمايتهم من الارهاب الذى يمارسه المسلمون فى امريكا وبالحد من هجرة العرب والمسلمين، وبإعادة الهيمنة والقوة الامريكية بما يكفل مصالحهم وأمنهم واستقرارهم الداخلى.

استدعى ترامب كل النوازع العنصرية لدى الأغلبية البيضاء واستخدم الهجرة غير الشرعية ومميزات الأقليات وغيرها من المهددات الخارجية لإثارة هذه الطبقة.

إن دل ذلك على شىء فانه يدل على أن استدعاء الخوف والحاجة الى البقاء والأمان، لتكون مبررا لكل الممارسات القمعية والعنصرية البغيضة، وإدعاء الحفاظ على الإستقرار للتصدى لتهديدات الغير، سواء كانت متمثلة فى إرهاب بغطاء دينى، أو تهديد اقتصادى، أثبتت انها سلاح يكتسح كل منطق حتى فى أعتى ديمقراطيات العالم. سلاح تم إستخدامه بنجاح فى مصربعد قيام ثورة يناير 2011. وقد خَيل لنا أنه نجح فى مصر لغياب الديمقراطية والوعى، ولكن تجربة الإنتخابات الأمريكية الأخيرة هذه، وما حدث مؤخرا فى استفتاء خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي BREXIT، يؤكد على أن الشعوب لاتختلف كثيرا، وأن أدوات السيطرة عليها واحدة، تتلخص فى اللعب على أوتار الغرائز الإنسانية التى يشترك فيها كل البشرعلى اختلاف جنسهم وثقافتهم وتوجهاتهم.

فقد نجح أيضا الخطاب العنصرى المتشدد الذى شنه زعيم  حزب الاستقلال البريطاني نايجل فاراج ضد المهاجرين الأوروبيين والجالية المسلمة، التي وصفها بالطابور الخامس وإتهمها بالسعي لقتل وتغيير نمط حياة البريطانيين وهويتهم، في استثارة خوف البريطانيين ودفعهم للتصويت لصالح الخروج من الاتحاد. كما استطاع قادة سياسيون التأثير على المواطنين البسطاء وخلق فزاعة وهمية بان انضمام تركيا إلى الاتحاد سوف يؤدى إلى فتح الحدود وتدفق آلاف اللاجئين إليهم.

صوت البريطانيون كرد فعل لخوفهم من تهديد المهاجرين لهم فى هويتهم ومن منافستهم لهم فى فرص العمل. تم إستثارة الخوف لديهم إلى الحد الذى نتج عنه سلسلة من الإعتداءات على المهاجرين غير مسبوقة فى بريطانيا بعد الإستفتاء، وإلى الحد الذى أغفلوا معه التداعيات السلبية الخطيرة لقرار الخروج والتى يدفعون ثمنها الآن من إنكماش إقتصادى وإنهيار فى قيمة الجنيه الإسترلينى غير مسبوفة منذ الثمانينات.

فى التجارب الثلاثة فى مصر وبريطانيا والولايات المتحدة، والتى تم فيها جميعا توظيف الخطاب الشعبوى المثير لغريزة الخوف والبقاء، كان القاسم المشترك فى هذا النوع من الخطاب هو الهاجس الأمني، وكراهية الأجانب والحث على الوطنية المتعصبة. كما انه يستغل الأزمات والخوف والقلق على المستقبل، ويجدد النزعات العنصرية والطائفية، وهم جميعا يكرسون مفاهيم خاطئة من دون طرح أى رؤية أو إجابات واضحة حيال المشاكل المتفاقمة من الإرهاب والهجرة والاقتصاد والتضخم والبطالة، بل يتحدثون عنها فقط لإثارة الجماهيرولايقدمون حلولا لها، لأنهم ببساطة غير قادرين على ذلك.

كما ظهر واضجا أيضا أن هذا الخطاب أكثر تأثيرًا ورواجًا بين الفئات العمرية المتقدمة فى السن (55 عاما +)، وبين الفئات ذات المستوى التعليمى المتواضع والدخل المنخفض، وفى المناطق الأقل مدنية والمناطق المهمشة.  ففى عمليات التصويت الذى حدثت فى التجارب الثلاثة، كانت هذه الفئات، والتى أطلق عليها حزب الكنبة فى مصر، هى التى خرجت للمشاركة بنسب عالية وعلى غير عادتها فى الإحجام وعدم المشاركة من قبل، ولكنهم شاركوا بحماس الآن مدفوعين بالخوف والنزعة المتعصبة، ضد المهاجرين فى الحالة الأمريكية والبريطانية، وضد التغيير والتيار الثورى أو ضد الإخوان المسلمين فى الحالة المصرية. .

هذا الخطاب الشعبوى المتعصب كان جوهر الفكر النازي فى ألمانيا، الذى كان يَوظف لتكريس الفكر الطائفي والعنصري، ويُعاد انتاجه الآن فى أمريكا على يد ترامب، وفى بريطانيا على يد نايجل فاراج، وفى مصر على يد النظام الحاكم. جوهره واحد، وهو الترويج أن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والهوة السحيقة بين الفقراء والأغنياء ليست بسبب الحكومات والسياسات، ولكنها دائما بسبب الآخرين وأهل الشرالذين يتآمرون علينا فى الداخل والخارج  كما هو الحال فى مصر، أو بسبب المهاجرين كما هو الحال فى الولايات المتحدة وبريطانيا. خطاب يُستخدم  لتوجيه الجماهير وتضليلها عن الأسباب عن الحقيقية لمشاكلها بإدعاءات وهمية تلعب على أوتار الخوف لديها، فتعطل وعيها وعقلها لتكون جاهزة لتصديق كل المبررات والأكاذيب.

ما أسهل توجيه الجماهير والسيطرة عليهم عن طريق غريزة الخوف والبقاء. فإذا كان تحضر الإنسان يتحقق بتحكمه فى غرائزه وتحرره منها، ألا نعي الدرس ولانسمح لأنفسنا بأن نَساق كما تَساق الجموع مدفوعة بغرائزها البدائية ومغيبة للعقل والمنطق؟ ألا نتعلم من دروس التاريخ؟ ألا نعى العظة من تجارب أليمة لأمم سبقتنا غلبت المشاعر والغرائز على العقل والوعى؟ من يمكنهم التحكم في غريزة البقاء فيُغلبون الصالح العام على أولويات بقائهم ومصالحهم الشخصية الضيقة، هم من يستطيعون التمييز بين الكذب والحقيقة، هم من يقودون الطريق نحو إعمال العقل والفكر، وهم من يستطيعون تقديم الحلول والتغيير.

 

التعليقات
press-day.png