رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: عن الثورة و الدولة (٤)

ثم أتي "مبارك" علي خلفية مشهد درامي لَخَص مأساة مجتمع.. راجعوا معي هذا المشهد بقليل من الهدوء الآن.. ظُهر يوم 6 أكتوبر 1981.. يجلس صاحب الاحتفال بين رَجُلَيهِ القويين كالطاووس في حالة من النشوة لا تخلو من عصبيةٍ تعكس توجساً لم يستطع -رغم قدراته الأدائية المتميزة- إخفائه.. في زِيِهِم الإحتفالي الملون كان الثلاث رجال يتصدرون المشهد ومن حولهم آخرين بدوا و كأن فراغاً ضخماً يفصلهم عن نجوم الحفل رغم قربهم المكاني..

"الآن تجيئ المدفعية"..هكذا تحدث مذيع الحفل الداخلي في تمام الثانية عشرة و عشرين دقيقة.. رصاصات و قنابل و دخان كثيف ساهم في توسيع الفراغ الضخم إلا من بعض الأوفياء "إنسانياً" للرجل الذي لقي مصرعه وانتهي الأمر لتدخل مصر فترة تشوش لم تعتد عليها بحُكم ما استقر من نظام دولاتي تراتبي يقتضي وجود "كَبيرٍ" ما، لكن بدفعٍ من داخل هذا النظام نفسه لم تَدُم تلك الفترة طويلاً..حُسِمَت المسألة فأتي "مبارك" حاكماً في زيٍه المدني و إلى جواره "أبو غزالة" في زيه العسكري فيما بدا -شكلاً- كما لو كان تقسيماً لتركة الحكم وأعاد للأذهان معادلة "ناصر-حكيم" مع الفارق الشاسع في قدرات ومؤهلات بل و ميول و توجهات الرجال الأربعة، لكنها مجرد ملاحظة علي الهامش ستفيدنا في إستعراض النتائج لاحقاً.

اللافت و بعيداً عن أسرار لم -و في الأغلب "لن"- يُفصَح عنها أن فِكراً قَتَل رأس الدولة قد تُرِكَ دون توقف لدراسة جذوره الإجتماعية و ملامحه الطبقية فتم التركيز علي الجوانب السياسية ذات الأبعاد الجنائية منه فقط، و بالتالي تَوَلتهُ الأجهزة الأمنية بأدواتها التقليدية ليخرج من معركته معها منتصراً يكسب كل يوم أرضاً جديدة بإمتدادات أكثر توغُلاً في ضوء تفاهمات سياسية بائسة و فقر مدقع مع جهل شديد حرص النظام نفسه علي ترسيخه ليستفحل الإضطراب الطبقي ويتمكن الإغتراب من المجتمع. لم يكن تعامل الدولة الباطش طوال عهد "مبارك" حتي مطلع القرن الجديد مُمتداً -بسبب إقتصاره علي الجانب الأمني فقط- إلي كل قوي الدين السياسي إذ إقتصر علي جناحيها المتشدد و المتطرف فقط وبقي الجناح الثالث يعمل بحُرية سياسية نسبية لم تتوافر لغيره وبتناغم و توافق واضحين علي المستوي الإقتصادي و الإجتماعي بسبب عدم طرحه لخطاب يتناقض "طبقيا" مع خطاب و ممارسات دولة "مبارك".

مع التفسخ الطبقي الذي ضرب ثوابت المجتمع و الذي بدأ في عهد "السادات" ثم ترسخ في عهد "مبارك" تحت وطئة الضربات القمعية و الإنحيازات الإجتماعية لكل منهما من ناحية و تحت وطئة الضربات الفكرية -ثم الإرهابية- للخطاب الديني من ناحية أخري خرجت للنور "شريحة" إجتماعية ضخمة جداً من المصريين إصطُلِح علي تسميتها "بالطبقة" الوسطي و إرتبطت مصالح أعضاءها بشكل وثيق بالنمط الإقتصادي البائس منذ تحلل تحالف "قوي الشعب العامل". ولما كان مفهوم "الطبقة" لا يتحدد بمعيار المستوي التعليمي أو الدرجة الوظيفية أو قيمة الدخل لكنه يتحدد بناءاً علي "ملكية" وسائل الإنتاج و القدرة علي التأثير في علاقاته، فيمكننا إستنتاج أنه لا يوجد في واقع الحياة سوي طبقتين: طبقة تعيش فقط من عوائد ملكيتها لوسائل الإنتاج (أصحاب الأرض و المصانع و المال المختزن بالبنوك) وطبقة تعيش من عوائد جهدها العضلي أو الذهني (الفلاحين و العمال والموظفين -علي إختلاف مواقعهم الوظيفية حتي وإن كان لدي بعضهم ممتلكات تشكل عوائدها نوعاً من الدخل الإضافي لكن الدخل الأساس يأتي من العمل، مضافاً إليهم بعض صغار المُلاك والحرفيين الذين يلزمهم أن يمارسوا بأنفسهم جهداً تحويلياً من نوع ما و إلا تجمدت أموالهم المحدودة).

في هذا السياق الفاصل يتوزع "طبقياً" أعضاء أي مجتمع ما بين طبقتين لا ثالث لهما و لا شيئ بينهما..طبقة تعيش من عائد ما تملكه و أخري تعيش من عائد ما تعمله. يمكننا إذن -إن أردنا تحليلاً علمياً للماضي/الحاضر من أجل المستقبل- أن نُصَنِف أعضاء من إصطُلِح علي تسميتهم "بالطبقة" الوسطي ضمن الطبقة العاملة إذ هم لا يملكون وسائل الإنتاج و لا تتوافر لديهم القدرة علي التأثير بعلاقاته لكن دُخُولُهم و إن كانت متفاوتة تظل ناتجةً عن العمل بشكل أساسي أياً كانت درجاتهم العلمية و أياً كان محلهم بالهرم الوظيفي..هم إذن شريحة واسعة متعددة المستويات ضمن الطبقة العاملة التي تقف علي الجانب الآخر من المجتمع مقابل الطبقة الأخري التي تملك و تؤثر. كان الإسهاب في شأن ضبط المصطلح ("الطبقة" و "الشريحة" الإجتماعية) لازماً لبيان مدي تأثُر أعضاء المجتمع "طبقياً" بالنمط الإقتصادي القائم و درجة تأثيرهم فيه و علاقة ذلك بالتركيب الطبقي للمجتمع المصري و الدولة و الثورة.

للحديث بقية، إن كان في العُمر بقية.

التعليقات
press-day.png