رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. أحمد الخميسي يكتب: محمود عبد العزيز .. ألفة النجوم

لا تربطني أي علاقة قرابة بالفنان الراحل محمود عبد العزيز لكني برحيله شعرت أنني قد فقدت قريبا عزيزا من عائلتي، أكلت وشربت معه سنوات طويلة، وتجاوزنا معا بعض الصعاب العائلية وحققنا معا نجاحا ما، هنا أو هناك، ذلك أننا نألف النجوم خاصة ذوي الوجوه الطيبة، ويصبحون بمرور الوقت أو الأفلام، أفرادا من عائلاتنا، وأحيانا تدوم العشرة مع بعضهم أطول زمنيا من مخالطة ابن العم. وأظن أنني قضيت مع اسماعيل يس وشادية وقتا أطول مما قضيته مع كثيرين من أفراد أسرتي.

هناك ألفة يخلقها الزمن في نفوسنا بيننا وبين أولئك النجوم لا تتعلق بما إن كانوا " فنانين كبارا" أم لا. إنها ألفة العشرة الطويلة التي تجري كل ذلك الحزن على قريب عزيز امتدت علاقتنا به لنحو خمسة وثلاثين عاما منذ أن ظهر علينا في فيلم "العار" عام 1982 حتى "رأس الغول" هذا العام. هناك ألفة تنشأ بيننا وبين النجوم، وحين أستعيد الآن صور نجوم قدامى مثل زكي رستم أشعر أنني أستعيد صورة أحد أعمامي، أما آمال فريد الصغيرة الدقيقة فكنت ومازلت أشعر أنها أختي، ولا أفكر لحظة فيما إن كانت آمال فريد ممثلة عبقرية أم لا، لأن هناك شيئا أكبر من ذلك يحتويني: السنوات الطويلة التي جمعتني بها وبآخرين منذ أن بدأت أتفرج بالسينما.

وقد سمعت بالسينما للمرة الأولى في حياتي وأنا في السابعة حين أعلنت مدرسة مجاورة أنها استأجرت آلة عرض وستعرض فيلما نظير تذكرة دخول بعدة قروش. ولم يكن معي تلك القروش، لكني مع تلاميذ آخرين كثيرين مفلسين فكرنا أن سور المدرسة قصير، فتجمعنا في الخارج خلف السور نشاهد الفيلم واقفين على أحجار أو يعتلي بعضنا أكتاف البعض بالتناوب، حتى ظهر خفير من المدرسة وطاردنا بمقشة طويلة فجرينا ووقفنا نلهث بعيدا في العتمة نسمع ما تبقى من الفيلم! ورغم أنني لم أر سوى عدة لقطات إلا أن شيئا كالذهول والسحر تملكني ولم يفارقني إزاء السينما.

وقد أحببت محمود عبد العزيز مثلما أحببت اسماعيل يس، وشادية، وكمال الشناوي، والمليجي، أحببته منذ فيلم " العار"، وأسرتني في وجهه الطيبة والتسامح. وأدهشني بعد ذلك في فيلم" جرى الوحوش" 1987، ثم فيلم سيداتي آنساتي اخراج رأفت الميهي عام 1989، وتوقفت طويلا أمام فيلميه " أبو كرتونة" عام 1991إخراج محمد حسيب وفيه أدهشني محمود عبد العزيز بأدائه الشعبي الغريب حتى لتظنه ابن حارة لم يخرج منها في حياته! الفيلم الثاني كان  " القبطان" عام 1997 وهو قصة وسيناريو وحوار وإخراج المبدع الكبير سيد سعيد.

بالطبع لا أنسى للفنان الراحل الكبير مسلسله البديع " رأفت الهجان" الذي تقاطعت فيه هموم الوطن مع الشخصية الفنية. رحل إذن أحد أفراد أسرتي الأعزاء جدا: محمود عبد العزيز، وكان بالنسبة لي أخا لأن فارق السن بيننا لايزيد عن عامين، لكنه كان في مكان ما آخر والدا لأسرة أخرى، وفي جهة أخرى كان زوجا ، وفي بيوت أخرى كان من أفراد الأسرة بصفته فارس الأحلام، أو عما، أو خالا، وبرحيله رحل أقاربنا أولئك جميعا، فقد كان فردا عزيزا بصفات مختلفة من عائلات مصر كلها. مع السلامة أيتها الروح البشوش الضاحكة البسيطة المحبة للحياة، قضينا معك وقتا طويلا جميلا، أسعدتنا فيه كثيرا. وما هو الفن إن لم يكن بدرجة ما خلق صلة قرابة فكريا أو شعوريا بين الناس؟    

***

كاتب مصري

التعليقات
press-day.png