رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: عن الثورة والدولة (٥)

كان استدراج شرائح من الطبقة العاملة بمستوياتها المتعددة لفخ ما يسمي "بالطبقة الوسطي" يهدف إلي تفكيك وحدة المصالح التي تجمع كل هذه الشرائح بغرض تفتيت قواها و تشتيت إنتباهها ليختَل تماسكها فتنفصل كل شريحة تجاهد وحيدة لتبقي علي هامش الحياة "خائفة" دائماً من شيئ ما بلا أي مساهمة "جادة" و "واعية" في تطور المجتمع و تقدمه بشكل متكامل مع الشرائح الأخري التي تجمعها نفس المصالح. تعددت شرائح المجموعة البشرية التي إصطُلِح علي تسميتها "بالطبقة" الوسطي حسب الدرجة الوظيفية و المستوي التعليمي و مقدار الدخل لتتقارب إهتمامات و مصالح أفراد كل شريحة بدرجةٍ ما مما أدي بهم إلي مزيد من الإنقسام ثم التقوقع مُنعزلين عن أعضاء الشرائح الأخري في إطار ذات المجموعة.

من الجدير بالملاحظة أنه قد تولدت لدي أفراد تلك الشريحة الإجتماعية حساسية من نوع خاص جداً إرتبطت بثقافة عَيشٍ تطورت من ثقافة مدينية (من "المدينة") إلي ثقافة التجمعات السكنية المغلقة علي من فيها و المحاطة بأسوار فيما يشبه "الجيتو" اليهودي، بالإضافة إلي تطور ثقافة الإستهلاك من الشراء المحسوب بدقة و حسب الإحتياج من "البقال" إلي الشراء الضخم لغرض التخزين من "المجمعات التجارية العملاقة"..لا يمكن للمتأمل في تطور هاتين الثقافتين اللتين شهد المجتمع المصري تناميهما التدريجي منذ نحو عشرين عاماً و اللتين إرتبطتا بسلوك و ممارسات أفراد هذه المجموعة البشرية إلا أن يتوقف عند مدلولات هاتين الظاهرتين و تأثيراتهما علي جهاز قِيَم هؤلاء الأفراد الذي تولدت من خلاله تلك الحساسية. كان "الخوف" الذي أشرت إليه في بداية هذا المقال هو أهم تلك المدلولات..للخوفِ بُعدان، أحدهما "إيجابي" باعث للتمرد و التغيير شريطة الوعي الناضج به وإمتلاك إرادة الفعل المُتحَدية، والآخر "سلبي" يرمي للكُمون و الرضا مدفوعاً بأفكار مُعاكسة تُهدر كل قيم التقدم التي تحفز العقل لإنضاج الوعي و تشحذ الإرادة لللتغيير.

كان الخوف "السلبي" الذي تواكب مع إنفصال الشأن الإقتصادي عن الإجتماعي عن السياسي -حيث يتوجب أن يدور الكل في دائرة واحدة للدفع الذاتي إلي الأمام- هو أحد أهم مدلولات هاتين الثقافتين/الظاهرتين و هو ما إنعكس بدرجات متفاوتة علي مجمل النسق السلوكي لأفراد تلك المجموعة البشرية التي إصطُلِح علي تسميتها "بالطبقة" الوسطي حيث تمكن منها بدعم من تحالف مؤسسة الحكم -منذ "السادات" و إنتهاءاً "بالسيسي"- مع قوي الدين السياسي بتنويعاتها المختلفة دافعاً إياها للإحجام عن المساهمة بأي تغيير حقيقي تتبدل معه ملكية وسائل الإنتاج و علاقاته.

إزدهرت و نمت تلك "الشريحة" الإجتماعية علي فلسفة الخوف السلبي الذي لم يمنعه إمتلاك تلك الشريحة لأدوات العصر المتميزة في مجال الإطلاع و الثقافة العامة (لكن أي إطلاع و أي ثقافة؟ تلك هي المسألة). ترسخ الخوف إذن..الخوف من الحياة و الموت.. الخوف من المعبود و العبد..الخوف من الحاضر و المستقبل..الخوف من الإنحدار الإجتماعي إلي الأسفل و عدم كفاية الدخل..الخوف من المجهول و المعلوم. ضرب الخوف أوصال تلك "الشريحة" الإجتماعية إلي أن وصل إلي مستوي الخوف من مجرد التغيير حفاظاً علي الحد الأدني من المكتسبات التي تراوحت بين المقبولة و المتواضعة و المحدودة و هو ما تم ترجمته ذهنياً -و من ثم توظيفه سياسياً- بالكلمة السحرية.."الإستقرار" لسد باب الثورة  ثم الحيلولة دون تثبيتها.

للحديث بقية إن كان في العُمر بقية.

 

التعليقات
press-day.png