رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. محمد محفوظ يكتب : إلى برلمان القوانين المعادية للحريات .. الدور الرقابي للمجتمع المدني .. " الفريضة المُحاصرة "

" إن قوة من لا قوة لهم تكمن في التنظيم الذاتي للمجتمع المدني ، الذي يتحدى المنطق الذرائعي الكامن في الدولة والأجهزة التكنولجية للهيمنة والتحكم " .

فاكلاف هافيل - الرئيس التشيكي الأسبق

 

يمثل المجتمع المدني الكيان الجامع لكافة صور المشاركة المجتمعية المنظمة ، تلك المشاركة التي تتسم بأبعادها الطوعية التكافلية التطوعية غير الهادفة للربح .

ولئن كان المجتمع المدني يمارس دور المساند والمعاون للدولة  في مجالات الأنشطة " الخيرية " - الصحية والاجتماعية والتعليمية والثقافية إلخ -  بما يحظى بمباركة الدولة ورضاها وتشجيعها ، لما له من أثر في تخفيف العبء على الميزانية العامة وتفريغ قدر من شحنات السخط أو الغضب المتراكمة لدى الشرائح والطبقات الاجتماعية غير القادرة والأولى بالرعاية. 

فإن المجتمع المدني له وجه آخر يمارس من خلاله دور المُراقِب ؛ المراقب لسلطات الدولة تنفيذية كانت أم قضائية أم تشريعية . وهذا الدور " الرقابي " هو الذي يفتح الجراح ويعري مواطن القصور ويفضح الانتهاكات والتجاوزات . وهو بالطبع ما يؤرق الدولة ولا يحفز إلا كوامن سخطها أو مظاهر شجبها وإنكارها .

وبالطبع ثمة تناسب عكسي بين تصاعد مظاهر سخط الدولة أو شجبها أو إنكارها للدور الرقابي لمنظمات المجتمع المدني ؛ وبين درجة التطور الديمقراطي لسلطاتها . ولهذا يتفاقم الأمر في النظم غير الديمقراطية إلى الحد الذي قد يصل إلى رفع الدولة لرايات الخصومة والعداء لذلك الدور الرقابي ، ووصمه باتهامات الخيانة والعمالة أمام المحاكم والنيابات أو على المواقع الإلكترونية والفضائيات .

ولعل هذا يوضح أبعاد المأزق الذي تواجهه منظمات المجتمع المدني الحقوقية ، المعنية بمراقبة مواطن القصور والتجاوزات والانتهاكات في مجالات الحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ، خصوصاً في ظل النظم السياسية التي تتواطأ فيها سلطتها التنفيذية مع سلطتها التشريعية  .

فذهنية النظم التسلطية الاستبدادية تنعكس بالخلل على الضمانات التي ينبغي توافرها في المجتمع لتكتمل المنظومة الرقابية في بنيان الدولة ، تلك المنظومة التي تشتمل في أي نظام ديمقراطي على " أربعة " مستويات للضمانات الرقابية تتمثل في : ضمانة الرقابة العامة - ضمانة الرقابة الذاتية - ضمانة الرقابة المجتمعية - ضمانة الرقابة الإعلامية .

وتنضوي ضمانة " الرقابة العامة " تحت عباءة مبدأ ديمقراطي أصيل هو : مبدأ الفصل بين السلطات ، بما يحقق الرقابة من كل سلطة علي السلطات الأخرى المقابلة لها . الأمر الذي يحقق فصلًا للسلطات ومراقبة للمسئوليات ، وتوازناً في المجمل العام بين السلطات ومسئولياتها .

أما ضمانة " الرقابة الذاتية " فهي توفر الإمكانية لكل سلطة لكي تراقب ذاتها من خلال الأدوات القانونية والإجرائية "الداخلية " المتاحة للمتابعة والمساءلة والمحاسبة .

في حين تأتي ضمانة " الرقابة المجتمعية " باعتبارها الضلع الثالث في المنظومة الرقابية ؛ لتوفر نطاقاً عريضاً وواسعاً للمشاركات المجتمعية ، بما يكفل لهذه المشاركات القدرة على تنظيم نفسها في صورة منظمات طوعية غير هادفة للربح ، تمارس نوعاً من الرقابة باسم المجتمع المحكوم في مواجهة سلطاته الحاكمة ، وهي المنظمات التي أصبحت معروفة باسم " منظمات المجتمع المدني " .

وصولاً إلى الضلع الرابع في هذه المنظومة المتمثل في "الرقابة الإعلامية " التي توفر ضوءاً ساطعاً يتيح كشف المعلومات والآراء المتعلقة بمجمل أنشطة المجتمع بكل سلطاته ومؤسساته وفاعلياته .

ولذلك مثلما تنحو النظم غير الديمقراطية نحو تغييب ضمانة "الرقابة العامة " ؛ من خلال تكريس مبدأ التواطؤ بين السلطات لا مبدأ الفصل بينها .

فإنها بالمثل تستخدم ضمانة " الرقابة الذاتية " كسلاح يتم توجيهه فقط لمن يخرج من مسئوليها أو موظفيها عن طوع السلطة ويحاول كشف تجاوزاتها ، فتشهر الدولة في وجهه رقابتها الذاتية باعتبارها عنوان بطشها وأداة انتقامها . 

كما تعمد إلى تجفيف منابع " الرقابة المجتمعية " لكي تنحصر في زاوية " الفريضة المُحاصرة " التي لا ينبغي إفساح المجال لتوسعها أو نموها ، باعتبارها الفريضة التي تشمئز منها الدولة لما تؤكده من دور رقابي للمجتمع المدني ، ولما تكشفه من انتهاكات وتجاوزات ومواطن فشل وقصور تجتهد الدولة لإخفائها .

وبالتالي يصبح من نافلة القول أن " الرقابة الإعلامية " في ظل النظم غير الديمقراطية لن تفلت هي الأخرى من منغصات التضييق والترهيب لكي تشحب أضواؤها وتخفت أصواتها .

ولا ريب أنه في ظل هذا المناخ الذي تختل فيه المنظومة الرقابية بأضلاعها الرباعية ، فإن الاتهامات الملفقة بالخيانة والعمالة والتمويلات الأجنبية غير القانونية ستبدو بمثابة ضريبة غير رسمية على النشاط ، تدفعها المنظمات الحقوقية غير الموالية للدولة وغير الراعية لنواقصها وزلاتها في سبيل ممارستها لدورها في الرقابة المجتمعية .

ولذلك غالباً ما تبدو مثل هذه الاتهامات بالخيانة والعمالة والتمويل كأوسمة الشرف ،  لكونها تصدر - بلا وجل أو خجل - من دولة غير قانونية بامتياز وباشمئزاز ، اعتادت قذف الخصوم بالأحجار بينما بيتها كله من أرخص أنواع الزجاج .

لاسيما وأن تغاضي الدولة عن الفساد المستشري في قطاع المجتمع المدني " الخيري " ، وإهمالها المتعمد أو فشلها المزمن في مراقبته ومحاسبته ، يوضح بأن الغيرة على سيادة القانون أو السهر على الأمن القومي ليسا هما المحرك الحقيقي لغضبتها واستنفارها . خصوصاً وأن نسبة لا بأس بها من مسئوليها السابقين بالسلطة التنفيذية - أو نوابها الموالين بالسلطة التشريعية - يحتلون مناصب قيادية في الطيف الواسع لمنظمات المجتمع المدني الخيرية ، برعاية ومساندة من الأجهزة الامنية تصل إلى التغاضي عن الممارسات غير القانونية التي تجعل المجتمع المدني " الخيري " في مصر موصوماً بالاختراق وموبوءاً بالاستنزاف . الاختراق من خلال الكوادر الحكومية السابقة أو البرلمانية الحالية ، والاستنزاف من خلال الرقابة الغائبة التي تشجع على الفساد .

لذلك من ذا الذي يتجرأ على التبجح مدعياً الدفاع عن سيادة القانون والأمن القومي ؛ في دولة لم تُطهر هي وبرلمانها - حتى الآن - قوانينها من عوار مخالفة الدستور ، بل وتزيد عليها بقوانين مستحدثة تتصادم مع ذات الدستور ؛ وممارسات قميئة ومستهجنة تتجاوز الأخلاق فضلاً عن القانون والدستور .

أليس قانون الجمعيات الأهلية الذي حاز على الموافقة المبدئية لمجلس النواب ؛ هو خطوة معتادة على هذا المسار ، مسار تجميد الدستور وتحنيطه بمخازن الآثار ؟!

أليست قرارات المنع من السفر أو الاستيقاف غير المبرر في الموانئ والمطارات التي يتم استهداف نشطاء المجتمع المدني بها بمثابة خطوة على ذات المسار ؟!

أليس تشويه سمعة المنظمات الحقوقية المحلية والدولية ، وتسفيه وتسطيح دور المجلس القومي لحقوق الإنسان ، بمثابة إصرار على نفس المسار ؟!

من هذا المنطلق ، يمكننا أن نتيقن بأن الدور الرقابي للمجتمع المدني بتجلياته المحلية وأصدائه الدولية سيبدو دائماً معكراً لصفو السلطة الجائرة ، ومفسداً لجهودها في التغطية على تجاوزاتها وانتهاكاتها .

لذلك على كل منظمات المجتمع المدني الحقوقية أو بالأحرى الرقابية - غير المخترقة أو الموجهة - أن تتكتل لتتوحد توجهاتها من أجل أن :

- تحافظ علي همزة الوصل مع الكيانات الدولية التابعة للأمم المتحدة المعنية بالمجتمع المدني والحقوق والحريات ، ليتوفر الغطاء الدولي الحامي لها من بطش السلطة وافتراءاتها .

- تتشارك في جمع المعلومات عن الفساد في قطاع المجتمع المدني " الخيري " وعن تخاذل الدولة في كشفه ومواجهته . بحيث يتم رفع الغطاء عن جذور الفساد والإفساد التي هي بالضرورة محلية ، ولا تُقارن بأي حال من حيث الكم أو الكيف بأية تمويلات أجنبية قد تكون من حيث الشكل غير قانونية ، ولكنها من حيث المضمون تحوز الشرعية في مواجهة سلطة تتعسف في إجراءاتها وتتحايل علي قوانينها ، فضلًا عن إهدارها لنصوص ومقاصد دستورها .

*****

dr.mmahfouz64@gmail.com

التعليقات
press-day.png