رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب عن الهجوم على نجيب محفوظ: الحياة علي هامش التاريخ

لم يكن "نجيب محفوظ" هو كاتِبي المفضل.. كان مَن شَغَل هذه المكانة لديَّ هو "يوسف إدريس" أو "طاغوت الكتابة الجميل" علي حد وصف "محمد مستجاب".. نجيبٌ هذا "المحفوظ" لا مراء لكني كنت – ومازالت - أحسب أن عبقرية "إدريس" تعدت كل حدود "النجابة". كان ميزان عبقرية الكتابة عندي -و مازال- يُقاس بالطلاقة الحرة بلا ضوابط أو حدود، و هذا بالقطع ما كنت أجده ناصعاً في كتابات "إدريس" الروائي منها و غير الروائي في الوقت الذي كنت أشعر في كتابات "محفوظ" بأن هناك أَسقُفَاً ألزم بها نفسه فلم يسمح لها بالتحليق عالياً..
كنت أشعر "بمحفوظ" مُتَحفِظاً يكتب -حتي عن الحارة- بالشوكة والسكين، بينما كان "إدريس" يكتب حاداً بالسكين فقط..كنت أري "محفوظ" ليبرالياً يُجيد المناورة مُختَبِئاً خلف الرموز مُستخدماً -بمنتهي البراعة و التمكن و الإقتدار- أدواتٍ جذابةٍ متجنباً أي صدام، بينما كان "إدريس" هجومياً بلا نَزَق.. وقعت في غرام الأفلام التي أُخذت عن روايات "محفوظ" أكثر من الروايات ذاتها و حدث لي عكس ذلك تماماً مع "إدريس".. لم أفقد حتي الآن -و أنا الذي قرأت مئات الروايات بالعربية و الإنجليزية- ذهول الدهشة حين أقرأ مرة بعد أخري "الحرام" و"بيت من لحم" و "نيويورك ٨٠" و "قاع المدينة" و "الرجل و النملة" و "أنا سلطان قانون الوجود".. ألتمس عذر "المحفوظيون" إن رأيت أن "إدريس" كان أكثر إستحقاقاً لنوبل من "محفوظ".
لم يَحُلْ إنحيازي "لطاغوت الكتابة الجميل" دون التأمل فيما دعا أحد أعضاء مجلس النُواب لقول ما قاله في نقد كتابات "محفوظ" ، ذلك النقد الذي إقتصرعلي ما يراه النائب غير أخلاقي في روايتين إثنتين علي وجه الحصر: "السكرية" و"قصر الشوق" دون أن يمتد نقده حتي ليشمل الجزء الثالث من السلسة "بين القصرين" علي ما في الأجزاء الثلاثة من ترابط عضوي و سياقٍ مُتحدٍ تتشابك فيه الأحداث بكل ما فيها من مشاهد ربما تشابهت في كثير من الملامح. 
يلحظ المتأمل أن النائب الحاصل علي الدكتوراه في القانون و الذي يقوم بتدريس مادة حقوق الإنسان بجامعة دمياط -حسبما جاء بمنشور دعايته الإنتخابية- لم يتطرق بالنقد لواحدة من أهم ما كتب "محفوظ" في الأدب السياسي و هي "أولاد حارتنا" التي أثارت و ما تزال تثير جدلاً كبيراً. إذن فنقد النائب لم يكن "لعمل" أدبي أو حتي "لموقف" سياسي تبناه "محفوظ" و بالتالي فلا مجال للدفاع عن "محفوظ" كقيمة و لا عن حرية الإبداع علي ما في هذا الدفاع من نُبل مقصدٍ و سلامة نية حتي لا يتم إلهاء قوي المجتمع الحية و إستنزاف جهودها في معارك خرافية تصب في سياق "شوف العصفورة". 
السؤال المستحق و الواجب تفحص إجابته واستنباط نتائجها يتعلق بما إن كان لتصريحات النائب صدي حقيقي بالمجتمع الذي أتي به للتشريع بعد ستة عشر عاماً من بداية القرن، بمعني آخر: هل يعبر ما قاله هذا النائب بالفعل عن أفكار يتداولها الناس بالشارع في إقتناع لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه. يجدر بنا -في مجال البحث- النظر في مسألة “الجمود” الثقافي الذي ضرب جهاز قيم المجتمع المصري و لا أقول “التدهور” حيث أن التدهور يكون نتيجة للجمود، فحين يتجمد مجتمع ما فإنه يظل في مكانه لا يبرحه في الوقت الذي يتقدم فيه الآخرون للأمام لتتسع الهوة شيئاً فشيئاً و يتحقق التدهور.. 
تجمدت الحركة الثقافية و دخل كثير من المثقفين الحظيرة حسب تعبير أحد وزراء الثقافة السابقين..إنسحبت الدولة فإنفصل الناس عن مواكبة التطور الثقافي العام و إنغلق العقل علي ممارسات ماضوية بديلة إزدهرت برسم تحالف النظم الحاكمة لعقود مع قوي الدين السياسي ليصير الماضي هدفاً في ذاته و تصبح المزايدة عليه مطلوبة لكسب أي معركة ينقطع معها السبيل بين الحاضر و المستقبل ليزداد المجتمع تدهوراً علي تدهوره.
إنها ليست قضية “نجيب محفوظ”، بل هي قضية مجتمع اتخذ من ماضيه مستقبلاً يسعي إليه ليظل قابعاً هناك علي حافة هامش التاريخ الذي لم ندخله و شارفنا علي الخروج منه أو كما قال المرحوم "زكي نجيب محمود": "مجتمع جديد أو الكارثة".
 
التعليقات
press-day.png