رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: عن الثورة والدولة (6)

ضرب مسار التخريب الطبقي أوصال المجتمع المصري و تبدلت بموجبه أنماط استهلاك المصريين و طرق سلوكياتهم بما اطمئن الحاكم معه لاستقرارٍ يُمَكِنُهُ من خلاله توريث كرسيه لمن يشاء بدعمٍ من تحالفات رسختها فلسفة الخوف التي نشأت في كنفها الشريحة الإجتماعية الواسعة جداً و "المتأرجحة" التي أُطلق عليها مُسمي الطبقة الوسطي لأسباب سبق بيانها.. كانت فلسفة الخوف إذن هي سر الكُمُون الذي ارتكن إليه نظام مبارك مطمئناً في كل خططه.. تلك الفلسفة التي جنحت بهذه الشريحة الإجتماعية - التي تنامت عددياً واسترخت نمطياً فتماهت الحدود الفاصلة لديها بين استقرارٍ تنشده وخوف يُكبلها- إلي الإحجام عن المشاركة بأي ممارسة سياسية إيجابية لبلورة الصراع الطبقي وما تقتضيه فعاليته من العمل علي تغيير ملكية وسائل الإنتاج والتأثير في علاقاته.

بالتوازي مع تنامي هذه الشريحة واستراخاؤها ومن ثم إنعزالها، كان هناك لاعب آخر يدخل تدريجياً علي خط المنافسة في مجال تملك وسائل الإنتاج وحيازة القوة الكافية للتأثير في علاقاته. بدأت الحكاية منذ زمن طويل وبالتحديد بعدما وضعت الحرب الكونية الثانية أوزارها لترسخ واقعاً عالمياً جديداً نتج عنه ترسيماً مختلفاً للقوي في المركز وتحالفات مغايرة في التخوم أصاب المنطقة العربية منها الكثير بسبب التحولات التي قادتها "نخب" عسكرية وطنية شابة لم تفتقد للحس السياسي والرؤي الإجتماعية نَمت في ظل مناخ سياسي "شبه" ليبرالي سبق تلك التحولات وأثر في التكوينات الفكرية لتلك النخب التي لم تكن نخباً "فنية" فحسب بل كان لأغلب كوادرها توجهات سياسية وإجتماعية وإن لم يكن قد نضج لديها مشروع مكتمل الاركان حين تولت الحكم (مصر- ناصر و عراق- قاسم مثالاً).

كان اضطهاد الأوروبيين لليهود واحداً من أخطر التأثيرات التي واكبت الحرب الكونية علي المنطقة العربية، وكان تعاطف كثير من المُثقفين الأوروبيين بالتحديد ("سارتر" مثالاً) مع معاناة اليهود التي نتجت عن هذا الإضطهاد بمثابة المبرر الأخلاقي لتسويغ تجميعهم بفلسطين هرباً من "الهولوكوست" حتي و إن أتوا من غير أوروبا "المُضطهِدة".

كان بعض الإصلاحيين من اليهود يرون أن الدياسبورا (الشتات) هي ترجمة "لعالمية" اليهود و أنها لا تُناقِض الإندماج مع شعوب الأرض، لكن كان للحركة الصهيونية صاحبة القوة الإقتصادية الفاعلة و العلاقات السياسية النافذة رأي آخر إذ تبنت فكرة أن اليهود لن يكونوا شعباً دون تجميعهم في أرض فلسطين التي رأوا فيها "جيتو" كبير يمكن من خلاله لهذا الشعب أن يندمج في المجتمع العالمي لا بصفته كتلة بشرية متداخلة و متعايشة ضمن نسيج مجتمعات متعددة الأعراق في دول علمانية الطابع لكن بصفته شعباً له دولته الخاصة.

نشأت إسرائيل "كدولة" –إذن- وسط عالمٍ مازال مضطرباً يتعاطف مثقفوه -الأوروبيون منهم علي وجه الخصوص- مع وجودها كتعويض عما إقترفته قيادات مجتمعاتهم من محارق بحق اليهود مُتغاضين في واحدة من السقطات الفكرية و التناقضات الثقافية التاريخية عما سلكته في سبيل ذلك من مسلك عنصري دموي صار سِمةً لها و أرتبط وجودها به إرتباطاً وثيقاً منذ نشأتها و حتي تاريخ كتابة هذه الكلمات. كان أغلب أعضاء النخبة العسكرية التي تولت الحكم بمصر في يوليو ١٩٥٢ هم ممن حاربوا بفلسطين، فاختبروا -وجهاً لوجه- في تلك الحرب معانٍ كثيرة ساهمت في صقل جهاز القيم الوطني لديهم في تركيبة فكرية و نفسية خاصة جداً و معقدة للغاية إختلط فيها الديني بالقومي بالعلمي، فرأوا -و هم في تقديري و وفقاً لمعطيات عصرهم مُحِقون كل الحق- أن إسرائيل ما هي إلا عصابة شيطانية ينبغي قتالها و طردها خارج الأرض التي إحتلتها غصباً.

وربما لهذا السبب لم تحظ كل عروض الوسطاء الدوليين للتصالح و حل الدولتين بأي نصيب من الترحيب من قِبل هؤلاء الضباط حين صاروا في الحكم، حتي أن قبول "ناصر" بعد كارثة ١٩٦٧ بمبادرة "رودجرز" لم يكن تسليماً أو قبولاً بحالة سلام مفروض عليه برسم هزيمة فادحة النتائج و الآثار لكنه كان نوعاً من إستغلال الوقت في هدنة يستعيد فيها الأنفاس لحين إستكمال بناء الجيش و خوض معركة التحرير التي لم يمهله القدر علي قيادتها. كانت إذن عقيدة الجيش المصري قد تأسست في الدولة المصرية/العربية الجديدة بعد الحرب الكونية الثانية بإعتبار أن العدو هو إسرائيل..إسرائيل فقط.

للحديث بقية إن كان في العُمر بقية.

 

التعليقات
press-day.png