رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

خالد البلشي يكتب عن قوانين الحكومة للصحافة والإعلام: نصوص الهيمنة وتكريس الاستبداد والفساد

«قانون تكريس الهيمنة والاستبداد»، ربما هو العنوان المناسب لقانون التنظيم المؤسسي للصحافة والاعلام الذي وافق عليه البرلمان، بعد أن مر القانون الموحد للإعلام، الذي صاغته الجماعة الصحفية والاعلامية بعدة مراحل بدأت بمفاوضات شاقة مع حكومتين، للخروج بصيغة توافقية من جميع الأطراف، وانتهت بسلسلة من آلاعيب العبث المنفرد بدأتها الحكومة الحالية، بتقسيم القانون والتلاعب في عدد من النصوص، والتراجع عن حقوق حصلت عليها الجماعة الصحفية عبر نضالات طويلة، منها إعادة الحبس الاحتياطي في جرائم النشر، رغم إلغائه منذ عهد المخلوع مبارك، ليخرج القانون مخالفا في كثير من نصوصه لما تم التوافق عليه بين اللجنة الوطنية للتشريعات الصحفية والحكومة طوال جولتين من التفاوض، فلم يقف الأمر عند حد تقسيم القانون إلى قانونين وهو ما أثاره من مخاوف حول توجهات من وضعوا المشروع، أكدته الصيغة النهائية للجزء الأول منه الخاص بالتنظيمات الإعلامية الذي تم إقراره، بل تعدى ذلك للنيل من فلسفة المشروع الرئيسية القائمة على الحرية والمسئولية والاستقلال، وتحرير الصحافة والاعلام من هيمنة السلطة التنفيذية تنفيذا لروح الدستور والمادة 72 منه والتي تنص على «تلتزم الدولة بضمان استقلال المؤسسات الصحفية ووسائل الإعلام المملوكة لها بما يكفل حيادها وتعبيرها عن كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية والمصالح الاجتماعية، ويضمن المساواة وتكافؤ الفرص فى مخاطبة الرأى العام».

وهكذا فتح القانون الباب عبر ما تم إضافته على نصوصه من تعديلات لهيمنة السلطة التنفيذية ورئيس الجمهورية على الإعلام، وذلك من خلال مواد تشكيل المجالس الثلاثة، والتي جعلت للرئيس الحق في تعيين ما يقرب من ربع أعضاء المجلس والهيئتين بخلاف ممثلي الحكومة والسلطة التنفيذية.

مراحل العبث بالقانون لم تقف عند حد الحكومة بل مارستها بكل قوة لجنة الإعلام في البرلمان عبر تعديلات كارثية أدخلتها على الجزء الأول من القانون (الخاص بالتنظيم المؤسسي) ليوافق البرلمان في النهاية على صيغة مشوهة، تكرس للهيمنة الحكومية وتفتح الباب للفساد والإفساد، حيث جاء القانون في صورته النهائية ليس فقط ليكرس الهيمنة الحكومية، من خلال السيطرة على أكبر عدد من المقاعد في الهيئات الثلاثة، بل أيضا ليعيد سياسة تعيين جميع أعضاء الهيئات من خلال باب خلفي هو إلزام النقابات والهيئات، باختيار ضعف عدد ممثليها، تاركاً الاختيار النهائي للرئيس الذي يصدر قرار التعيين، وهو تعديل يعيد الأوضاع لما كانت عليه وقت حكم المخلوع مبارك، ويجعل ولاء المختارين كاملا للسلطة التنفيذية، خاصة بعد أن فتحت بقية نصوص القانون لتحول عضوية الهيئات لسبوبة حكومية، وحررتها من الالتزام حتى بالقوانين المعمول بها فيما يتعلق بالحد الأقصى لللأجور، أو منع تعارض المصالح وصولا لتحريرها من مرجعية قانون حرية المنافسة ومنع الاحتكار، وهو ما يفتح الباب واسعا لتكريس الاحتكارات القائمة بل وتوسيعها، وهكذا فإن التعديلات التي أدخلت على القانون لم تأل جهدا في تكريس سياسات الهيمنة، سواء من خلال نصوص واضحة أو حتى عبر فتح الباب للسيطرة على مصدري القرار داخل الهيئات الثلاثة.

محاولات الهيمنة الحكومية بدت واضحة في أجلى صورها، في ضم أمين عام المجلس الأعلى والهيئتين والذين يتم تعيينهم من خارج الاعضاء المختارين لهيئة المكتب بكل منها، وبذلك تصبح نصف هيئة المكتب معينة بالكامل، رغم أن دور أمين عام المجلس في المشروع التوافقي كان تسيير العمل ولكن التعديلات الحكومية جاءت لتجعل له صوتا، وهكذا يتم التحكم في القرارات الهامة والضرورية واليومية من خلال السلطة المخولة لهيئة المكتب عبر رئيس يعينه الرئيس وعضو إضافي معين هو الأمين العام.

الأمر لم يقف عند هذا الحد بل أن القانون في صورته الأخيرة جاء ليرسخ التوجهات الحكومية للسيطرة عبر العديد من الطرق حتى لو من خلال، فتح الباب للفساد والإفساد، عبر نصوص حررت المجلس الأعلى للإعلام حتى من القوانين المعمول بها داخليا، لتعطيه حق وضع اللوائح المالية لأعضائه وليس للعاملين فيه فقط، لتمثل سابقة هي الأولى من نوعها بأن يضع أعضاء المجلس لأنفسهم لوائحهم المالية، دون التقيد بالنظم الحكومية – طبقا لنص القانون- ، ودون النص على الالتزام بـ  الحد الأقصى للأجور المنصوص عليه في القانون، فيما جاءت بقية المواد لتستكمل نفس النهج وتحول التعيين، لمكافأة للمختارين، تسهل السيطرة عليهم، لينص القانون على حق رئيس المجلس الأعلى وأمينه العام في الحصول على رواتبهم وبدلاتهم كاملة من جهة عملهم إذا كانت حكومية، أو تابعة لقطاع الاعمال العام، ودون ربط ذلك بعدم تجاوز  الحد الأقصى للأجور المعمول به قانونا، حيث كانت فلسفة (المشروع الموحد) الرئيسية تضمن للعاملين حقهم في وظائفهم وترقيتهم بينما يحصلون على إجمالي دخولهم من المجلس والهيئتين في إطار من القوانين المعمول بها بالدولة وهو ما تم مخالفته في النسخة الأخيرة ..

وفي إطار سياسة المكافآت المجانية ألغى القانون في صورته الأخيرة كل العقوبات التي كان يقررها القانون الموحد، على ممارسة رئيس وأعضاء المجلس والهيئتين، لأعمال تتعارض مع طبيعة المهمة المكلفين بها، وهو ما يفتح الباب واسعا لتضارب المصالح والاخلال بالقانون، ويفرغ نص التفرغ للعمل بالمجالس والهيئات من محتواه، ويفتح الباب أمام البعض لاستغلال وظيفته والعمل لدى جهات تقع تحت سيطرة هذه الجهات. 

ومن تكريس الهيمنة إلى الإبقاء على الوضع الحالي وحماية مصالح الجهات المسيطرة على الإعلام فتح القانون في صيغته الأخيرة، طرقا خلفية للممارسات الاحتكارية ، فبعد أن رسخت التعديلات الحكومية، هيمنة السلطة التنفيذية على المجلس الأعلى عبر طريقة اختيار أعضائه، فإن إضافات لجنة الإعلام حولت المجلس إلى سيد قراره، بإضافة كلمة تطبيق إلى كل النصوص الخاصة بأن دوره وضع اللوائح فيها، حتى لو جاء ذلك خارج إطار القوانين المعمول بها، بل ووصل الأمر – كما أسلفنا- إلى تحرير المجلس من الالتزام بقانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، والتي كان منصوصا عليها في المشروع الأساسي وتجعل المجلس هو من يضع القواعد وينفذها متحررا حتى من نصوص القانون.

وجاء حذف العديد من العقوبات التي كان منصوصا عليها لمعاقبة أعضاء الهيئات والخاضعين للقانون في هذا المجال أو لقواعد الاصدار لترسخ هذا الاتجاه، بما يفتح الباب لترسيخ احتكار عدد من الأفراد على وسائل الإعلام، وذلك تحت مظلة ان العقوبات مبالغ فيها وأن الدستور يمنع الحبس، وهو حق يراد به باطل، فالحماية الدستورية جاءت لضمان حرية النشر والتعبير، وعدم تحول الحبس لوسيلة لوأدها، أما القانون الحالي فيخص التعاملات المالية والتعاملات الأخرى لرئيس وأمين عام وأعضاء وموظفي المجلس والهيئتين، وكان الحرص حين وضعها أن تكون متناسبة مع حجم التجاوز وحجم رؤوس الأموال في مجال الصحافة والاعلام. ولعل المفارقة الأكبر في هذا الإطار أنه في الوقت الذي جاء القانون ليحمي العاملين بالهيئات من الحبس في قضايا تتعلق بأوجه فساد كتعارض المصالح فإنه يجري حاليا على قدم وساق، تعطيل النصوص الخاصة بمنع الحبس في قضايا النشر بل ويعاد الحبس الاحتياطي مرة أخرى سيفا مسلطا على رقاب الصحفيين بعد أن تم الغائه منذ عهد الرئيس المخلوع مبارك.

وفي وضع كهذا، تبدو أهمية مطالبات نقابة الصحفيين – وآخرها نداء لجنة التشريعات - بضرورة العودة للقانون الموحد باعتباره كل متكامل، أو في أقل الصور العودة للنصوص المتفق عليها مع الحكومة في آخر تفاوض بين ممثلي لجنة الـ 50 وممثلي الحكومة بما يضمن التوازن بين الحقوق والواجبات، وكذلك ضرورة إصدار قانون منع الحبس في قضايا النشر بالتوازي مع إصدار القانون الحالي، أو كحد أدنى ضرورة تضمين النص الدستوري الخاص بمنع الحبس في قضايا النشر كما ورد في المادة 71 من الدستور، بالقانون الحالي لحين الانتهاء من تدقيق قانون منع الحبس في قضايا النشر، حتى لا يتم تأجيل القانون تحت أي مزاعم

 

ملاحظات تفصيلية على مواد (قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام)

 

1-              المادة الأولى تعريف الصحيفة تم إلغاء النص على ان يكون مالك الصحيفة مصريا في التعديلات التي أجرتها لجنة الإعلام بالبرلمان، وهو إلغاء يتوافق مع بعض المطالبات داخل اللجنة ولكن المفارقة أنه يتعارض مع المطالبات الحكومية وحجة الأمن القومي التي كانت سيفا معلقا في محاولة للتضييق على الصحافة والصحفيين.

2-              المادة 4 بند 3 تم إضافة كلمة وتطبيق على المادة بعد تعديلات لجنة الإعلام لتصبح المادة بدلا من «وضع الضوابط المعايير» إلى «وضع وتطبيق الضوابط والمعايير اللازمة لضمان التزام الوسائل والمؤسسات الإعلامية والصحفية بأصول المهنة وأخلاقياتها» في هذه الحالة وحتى لا يمتد الأمر إلى أن يمارس المجلس دور النقابات في هذا المجال، كان الأمر يقتضي إضافة جملة «وتختص النقابات بتطبيق مواثيق وأخلاقيات المهنة على أعضائها» إلى نفس البند حتى ولو وردت في مواضع أخرى حتى لا يساء استخدام هذا البند.

 

3-              البند 9 من نفس المادة 4 والخاصة بوضع القواعد المالية والفنية واللوائح للعاملين بالمجلس الأعلى للإعلام – أضافت لجنة الإعلام للبند وضع القواعد المالية لأعضاء المجلس والعاملين به، وبذلك يكون أعضاء المجلس هم من يضعون القواعد المالية الخاصة بهم دون التقيد بالنظم الحكومية، (طبقا لنص المادة)، وهو ما يفتح باباً للإفساد، خاصة وأن المادة التي أطلقت يد أعضاء المجلس في تحديد لوائحهم المالية، لم تحدد سقفا يلتزم به أعضاء المجلس في القواعد المالية وليكن الحد الأقصى للأجور، بعد أن حررتها أيضا من أي قيود أخرى.

 

4-              البند 14 من نفس المادة الرابعة جاءت تعديلات لجنة الاعلام لتحرر المجلس الأعلى من الالتزام بقانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية وجعله الجهة التي تضع هذه القواعد وتنفذها دون أية قيود واضحة، وهو ما يفتح الباب للأهواء في هذا المجال ويرسخ الوضع الحالي، حيث كانت المادة في مشروع القانون (ضمان ممارسة النشاط الاقتصادي في مجالي الصحافة والإعلام على نحو لا يؤدي إلى منع حرية المنافسة أو تقييدها أو الإضرار بها، وذلك وفقا للقواعد التي يضعها، وبما لا يخل بأحكام قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الإحتكارية)، حيث تم تعديل النص داخل لجنة الإعلام ليصبح (ضمان ممارسة النشاط الاقتصادي في مجالي الصحافة والإعلام على نحو لا يؤدي إلى منع حرية المنافسة أو تقييدها أو الإضرار بها، والقيام بمنع الممارسات الاحتكارية فيهما،وذلك وفقا للقواعد التي يضعها.)،  ليتم حذف الالتزام بقانون منع الممارسات الاحتكارية وجعل المجلس فقط هو القيم على هذه القواعد.

 

5-              مواد التشكيل: الملاحظة الرئيسية على مواد التشكيل الثلاثة إنه جرى تقليل عدد الأعضاء عن المتفق عليه في القانون الموحد للاعلام ، والذي كان يهدف لتمثيل المجتمع بشكل موسع فيها، وفي الوقت الذي تم تخفيض عدد الأعضاء في تشكيل كل لجنة فقد تم زيادة عدد الأعضاء الذين يختارهم الرئيس إلى ثلاثة في المجلس الأعلى بينهم رئيس المجلس، و4 أعضاء في كل هيئة من الهيئتين بينهم رئيس كل هيئة)، وجاء ذلك على حساب ممثلي الجماعتين الصحفية والإعلامية الذين تختارهم نقابتي الصحفيين والإعلاميين وممثلي المجتمع في القانون التوافقي.. وهو ما يعطي ثقلا لممثلى السلطة التنفيذية على حساب الهيئات النقابية والمجتمع خاصة أن الأعضاء الذين يختارهم الرئيس في المجلس والهيئتين أصبح من بينهم الرؤساء الثلاثة، وهوما يخالف فلسفة المشروع الأساسي المقدم من اللجنة الوطنية لوضع التشريعات الصحفية والذي جرى حوله التوافق مع الحكومة والذي حصر اختيارات الرئيس في رؤساء الهيئات فقط .

 

-        ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل أن التعديلات التي أجرتها لجنة الإعلام على نصوص مواد اختيار أعضاء المجلس والهيئتين جاءت لتكرس هذه الهيمنة، بعد أن فتحت الباب لتكريس سياسة التعيين من خلال إلزام النقابات والهيئات، باختيار ضعف عدد ممثليها في الهيئتين التي تحددها نصوص القانون، تاركة الاختيار في النهاية للرئيس، وهو ترسيخ لفكرة الهيمنة الحكومية، وعودة لسياسة التعيين حتى على من يتم اختيارهم من الهيئات المتخصصة والمنتخبة وهو مطعن دستوري لابد من مراعاته ( وبهذا يكون الولاء لمن يصدر في النهاية قرار التعيين في ظل الإفراط في المنح والمكافآت أو فتح الباب لذلك واسعا.

-        وكان الأولى العودة بالتشكيل إلى النص الأصلي المتفق عليها مع الحكومة في آخر نسخ القانون والذي يتيح للرئيس اختيار رئيس كل هيئة فقط، و عودة الإعداد التى تختارها النقابات المهنية كما سبق التوافق عليها وهى 4 بالهيئة الوطنية للصحافة تختارهم نقابة الصحفيين و4 بالهيئة الوطنية للاعلام تختارهم نقابة الاعلاميين و 6 بالمجلس الاعلى للإعلام تختار كل نقابة ثلاثة منهم . وذلك حرصا على روح النص الدستوري والتي تنص على ضرورة  ان يتمتع المجلس والهيئتين بالاستقلال بحكم المادة 72 من الدستور، خاصة وان النقابات المهنية هي كيانات مستقلة، فضلا عن أنها تضم أبناء وخبرات المهنة، ويتم تجديد عضوية مجالسها عبر انتخابات حرة كل عامين فقط. هذا فضلا عن أن زيادة عدد الاعضاء كان يستهدف إتاحة الفرصة لمشاركة المجتمع في عضوية المجلس والهيئتين من خلال عودة ممثلي المجتمع المدني  والمتخصصين.

6-              استمرارا لسياسة الهيمنة الحكومية، وضعت المادة (15)  في قانون الحكومة الأمين العام للمجلس الأعلى للإعلام وهو شخص معين من خارج تشكيل المجلس ضمن هيئة المكتب، وبذلك صار رئيس المجلس مختارا من الرئيس، والأمين العام المعين يمثلان 50% من هيئة مكتب المجلس التي تدير شؤنه، وبذلك تصبح الهيمنة الحكومية كاملة على العمل اليومي بالمجلس، وجاءت تعديلات لجنة الإعلام على بند 15 لتكرس هذه الهيمنة عبر إضافة فقرة كاملة لنص المادة تعطي الحق لرئيس المجلس الأعلى وأمينه العام في الحصول على رواتبهم وبدلاتهم كاملة من جهة عملهم إذا كانت حكومية، أو تابعة لقطاع الاعمال العام، ودون ربط ذلك بعدم تجاوز  الحد الأقصى للأجور المعمول عنه قانونا.

7-              جاءت تعديلات لجنة الإعلام على البند 17 في المادة 30 لتكرس التراجع الحكومي عن ما تم التوافق عليه مع اللجنة الوطنية للإعلام في قانون الإعلام الموحد والخاص بمد السن للصحفيين إلى 65 عاما .. حيث أضافت اللجنة جملة (إذا اقتضت حاجة العمل) في بند اختصاصات الهيئة الوطنية للصحافة الخاص بمد السن للصحفيين والعاملين وهي جملة تفرغ المادة من محتواها وتعود بالأمر للوضع الحالي، في تراجع كامل عن المكتسبات التي حرصت اللجنة الوطنية على تضمينها حفاظا على حماية شيوخ واستجابة لقرارات الجمعيات العمومية للصحفيين.

8-              في مواد العقوبات جاءت تعديلات لجنة الإعلام لتحذف المادتين 79 و80 والتي كانت الأخيرة فيهما تنص على معاقبة كل رئيس وأعضاء المجالس والهيئات بالحبس والغرامة التي لا تقل عن 50 ألف ولا تزيد عن 100 الف جنيه حال قيامهما بأعمال ووظائف تتعارض مع طبيعة عملهم، وطبيعة المهمة المكلفين بها وهو ما يفتح الباب واسعا لتضارب المصالح والاخلال بالقانون، ويفرغ نص التفرغ للعمل بالمجالس والهيئات من محتواة، ويفتح الباب أمام البعض لاستغلال وظيفته والعمل لدى جهات تقع تحت سيطرة هذه الجهات.

وفي ظل تأميم الهيئات الثلاثة والسيطرة عليها عبر قانون التنظيم المؤسسي الذي أقره البرلمان من خلال هذه النصوص، تتعاظم المخاوف من تكرار العبث بالجزء الثاني من القانون وتفريغ ما تبقى في نصوصه من ضمانات للحرية، بعد أن امتدت يد العبث الحكومي لجانب ليس قليل من هذه النصوص لتفرغها من محتواها، خاصة وأن القانون لن يتم إقراره إلا بعد العودة لهذه الهيئات بكل ما لحق بتشكيلها من عبث يضمن تبعيتها للسلطة التنفيذية، ويضمن في حده الأدنى بقاء الوضع الحالي للصحافة والإعلام على ما هو عليه، ويكرس الانتهاكات والقيود المفروضة على الصحافة والصحفيين.

 

ثانيا: مشروع (تنظيم الصحافة والإعلام) .. يتم مناقشته وإقراره بعد اختيار الهيئات

 

جاء المشروع في صيغته الأخيرة بعد تقسيم المشروع الموحد إلى مشروعين ومسخه والتلاعب بفلسفته القائمة على الحرية والمسئولية والاستقلال ليحفل بالعديد من الملاحظات والتراجع عن العديد من الحقوق والضمانات التي كفلها القانون الموحد للصحفيين خلال ممارستهم لمهنتهم بما يضمن حريتهم، بل ووصل الأمر إلى التراجع عن حقوق أقرت عبر نضالات الجماعة الصحفية، حيث أعاد المشروع الحبس الاحتياطي في قضايا النشر في سابقة غريبة رغم إلغائها منذ عهد المخلوع مبارك، هذا فضلا عن وجود اتجاه لتأجيل مشروع القانون الخاص بمنع الحبس في قضايا النشر بدعاوى الحاجة لتدقيقه، وفي هذا الإطار تأتي ضرورة التأكيد على إصدار قانون منع الحبس في قضايا النشر بالتوازي مع إصدار القانون، وفي أسوأ الأحوال ضرورة تضمين النص الدستوري الخاص بمنع الحبس في قضايا النشر كما ورد في المادة 71 من الدستور والتي تنص على «يحظر بأى وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الاعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز استثناء فرض رقابة محددة عليها فى زَمن الحرب أو التعبئة العامة. ولا توقع عقوبة سالبة للحرية فى الجرائم التى ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، فيحدد عقوباتها القانون».

كما فرغ المشروع المادة الخاصة بشرط الضمير من محتواها بعد إلغاء التعويض المقرر للصحفي عنها في حالة تغيير السياسة التحريرية للمؤسسة التي يعمل بها.

      

وهذه بعض الملاحظات على المشروع:

 

1-    فتحت المادة الرابعة من المشروع الباب لمصادرة المطبوعات الخارجية بدعوى احتوائها على مواد اباحية بل جعلت الأمر وجوبيا دون تحديد ماهية هذه المادة وطبيعة الوسيلة التي تنقلها، حيث تم إدخال تعديل في المشروع الجديد على الفقرة لتنص على "وعلى المجلس الأعلى أن يمنع بدلا من ويجوز للمجلس الأعلى أن يمنع» . والمقترح ضرورة العودة للنص الموجود في القانون الموحد والذي يجعل المنع جوازيا وليس وجوبيا، خاصة أن البعض يتعامل مع بعض المواد الطبية باعتبارها اباحية او بعض انواع الفن.

2-    كما فتحت نفس المادة 4 في نهايتها باب الحسبة على مصراعيه حيث تم إدخال تعديل آخر على متن المادة في نهايتها لتصبح «ولكل ذي شأن الطعن في هذا القرار أمام محكمة القضاء الإداري». بدلا من « يجوز لصاحب الشأن أن يلجا للقضاء» في المشروع الموحد وهو تعديل يفتح باب الحسبة في هذه القضايا بالمخالفة لنصوص دستورية في باب الحقوق والحريات بالدستور خاصة مواد حرية الراي والتعبير.

 

3-    المادة 15  من المشروع الأول وهو مشروع قانون تنظيم الصحافة تفتح الباب للفصل علي مصراعيه وتهدد الاستقرار بالمؤسسات الصحفية والاعلامية، وقد جاءت صياغتها متراجعة عن النص الذي تم التوافق عليه مع الحكومة في آخر نسخة من القانون الموحد ، فضلا عن أن بها تراجع عن النص الحالي في المادة 17 من قانون تنظيم الصحافة، حيث أن المادة 15 من القانون الحالي قلصت مدة التوفيق بين الصحفي والمؤسسة لثلاثة أشهر بينما تركت المادة 17 من القانون الحالي مدة التوفيق مفتوحة وهو تراجع جديد يؤثر على علاقات العمل المختلة من الاساس في ظل انتشار ظاهرة الفصل التعسفي داخل المؤسسات .

حيث جاء نص المادة في المشروع الأول « لا يجوز فصل الصحفي أو الاعلامي إلا بعد إخطار النقابة المعنية بمبررات الفصل وانقضاء ثلاثة أشهر من تاريخ هذا الاخطار ، تقوم خلالها النقابة بالتوفيق بين الصحفي أو الاعلامي وجهة عمله ولا يجوز وقف راتب الصحفي أو الاعلامي أو ملحقاته خلال مدة التوفيق»

 يحدث هذا رغم أن صياغة المادة على هذا النحو كان مرتبطا في المشروع الموحد الذي أعدته لجنة الخمسين بمادة أخرى خاصة بالتحكيم إذا فشل التوفيق، والتي كانت تمد فترة التوفيق والتحكيم إلى 8 شهور يستحق الصحفي خلالها كامل أجره وهذا ما لم يؤخذ به. واقترح إما العودة للأخذ بالتسوية على مرحلتين مع توفير الضمانات الدستورية لذلك.. أو العودة للنص القديم في قانون الصحافة  رقم 96 لسنة 96 او تعديل النص كالاتي :

«لا يجوز فصل الصحفي او الاعلامي الا بعد اخطار النقابة المعنية بمبررات الفصل لتقوم بالتوفيق بين الصحفي او الاعلامي وجهة عمله.. ولا يجوز وقف راتب الصحفي او الاعلامي او ملحقاته خلال فترة التوفيق»

***

4-    جاءت المادة 28 من المشروع الأول لتعيد الحبس الاحتياطي في قضايا النشر في سابقة غريبة رغم إلغائها منذ عهد المخلوع مبارك حيث تم تعديل المادة في مشروع الحكومة الأخير لتصبح "لا يجوز الحبس الاحتياطي أو الإفراج بكفالة في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر أو العلانية. فيما عدا الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز أو الطعن في الأعراض.

بدلا من النص في آخر نسخة تم التوافق عليه بين لجنة الخمسين والحكومة والذي كان ينص على أنه:

"لا يجوز الحبس الاحتياطي، أو الإفراج بكفالة في الجرائم التي تقع بواسطة الصحفيين أو الأعلاميين المتعلقة بممارسة عملهم".

وتعديل المادة بهذه الطريقة يعيد الحبس الاحتياطي في قضايا النشر بما يعد تراجعا عن الوضع الحالي، وما كفلته القوانين الحالية وتعديلاتها بإلغاء الحبس الإحتياطي في جميع الجرائم الخاصة بالنشر كإحدى ضمانات حرية الصحافة والنشر والتعبير، حتى لا يتحول لعقوبة ويساء استخدامه لتقييد هذه الحرية.

 فعلى الرغم من أن القوانين الحالية تنص على جواز الحبس فى أكثر من 60 مادة تتعلق بالنشر بالقوانين المختلفة، فقد تم منع الحبس الاحتياطي تماما بها ، ولذلك لا يجوز العودة لفتح الباب للحبس الاحتياطى فى الوقت الذى لا يسمح فيه الدستور بالحبس الا فى ثلاثة مواد فقط .

ويلاحظ على هذه المادة أنها تخلط بين جواز الحبس في بعض الاتهامات وبين موجبات الحبس الاحتياطي ومبرراته، التي لا تتوافر في قضايا النشر، طبقا للمادة 134 من قانون الاجراءات الجنائية والتي حددت موجبات الحبس الإحتياطي .

وهي موجبات لا تتوافر في جرائم النشر خاصة التي يتم ارتكابها بواسطة الصحف حيث إن الجريمة تكون معلنة ومكتملة، لا يمكن طمس معالمها أو تغييرها فضلا عن أن صاحبها معروف ومعلوم للكافة، فضلا عن أن النقابة تدخل كطرف وضامن في قضايا النشر فهي تخطر ويحضر ممثل عنها التحقيقات، وتتعهد وتلتزم بإحضار المتهم وقت طلبه، وهو ما يسقط كل مبررات الحبس الاحتياطي عن الصحفي . ولا يجوز أن يكون من أسباب الحبس الاحتياطى مجرد الحديث عن جسامة الجريمة المنسوب ارتكابها للمتهم باستثنائها في الدستور. خاصة أن القاعدة القانونية «الأصل فى الانسان البراءة تجد أقصى تطبيق لها فى مرحلة المحاكمة حيث يفسر الشك لمصلحة المتهم» بدلا من عقابة على جرم لم يرتكبه خاصة في ظل انتفاء مبررات الحبس الاحتياطي عنه كما أوردنا سابقاً.

هذا فضلا عن أن الدستور الحالي في المادة 54 ألزم المشرع بتنظيم حالات التعويض الذي تلتزم به الدولة عن حالات الحبس الاحتياطي إذا صدر حكم بات بإلغائه. وهذا يضيف مبررا جديدا لخطورة فتح باب الحبس الاحتياطي في قضايا النشر إضافة إلى أن الدستور لم يجعل الحبس في هذه الجرائم المشار إليها وجوبيا بل ترك تقديرعقوبتها للمشرع.. إلخ.

****

5-    فرقت المادة 76 في المشروع الحالي للحكومة المعنون بـ «تنظيم الصحافة والإعلام» بين العاملين في الصحف الخاصة والقومية، فيما يتعلق بالاحالة للمعاش .. فبينما جعل مشروع الإعلام الموحد الذي أعدته لجنة الخمسين وتم التوافق عليه مع الحكومة، المد للصحفيين في الصحف الخاصة والحزبية والقومية وجوبيا حتى سن الـ 65 فإن المشروع الأخير المقدم من الحكومة ألغى هذه الميزة بالنسبة للعاملين في الصحف الحزبية والخاصة، فيما جعل المد حتى الـ 65 جوازيا في الصحف القومية من الهيئة الوطنية للصحافة فيما عدا من صدرت ضده في آخر ثلاث سنوات عقوبة تأديبية.

حيث تم الغاء المادة الخاصة بالصحف الحزبية والخاصة فيما تم تعديل المادة الخاصة بالصحف القومية ليصبح المد جوازيا بقرار من الهيئة الوطنية للصحافة، وهو ما لن ينطبق على الصحف الحزبية والخاصة في ظل اختلاف الوضع القانوني لها وعدم خضوعها للهيئة وعدم وجود مجالس إدارة في بعضها.

والاقتراح هو العودة  للنص المتفق عليه سابقا والذي ينص على:

« يكون سن الاحالة للمعاش للصحفيين والادرايين والعمال بالمؤسسات الصحفية ستون عاما ويستمر الصحفيون حتي سن الخامسة والستين فيما عدا من لم يمر علي عضويته بالنقابة خمسة عشر عاما او صدرت ضده عقوبة تأديبية من النقابة في اخر ثلاث سنوات »

فالنص عام وينطبق على كل الصحف ويتجاوز العيب الخاص بعدم وجود ولايه للهيئة الوطنية للصحافة علي الصحف الحزبية او الخاصة ولذلك من الافضل العودة لهذا النص الذي تم  التوافق عليه مع الحكومة في مشروع قانون الاعلام الموحد وان يكون المد وجوبيا وليس جوازيا.

6- فرغت التعديلات الحكومية على المشروع المادة الخاصة بشرط الضمير من محتواها بعد إلغاء التعويض المقرر للصحفي عنها في حالة تغيير السياسة التحريرية للمؤسسة التي يعمل بها.

ويبقى أن المشروع تم تأجيله لحين إنشاء المجلس الأعلى للإعلام والهيئتين الوطنية للصحافة والوطنية للإعلام، طبقا لتشكيلها الأخير الذي ضمن الهيمنة الحكومية عليها، وهو ما يفتح الباب للمزيد من التلاعب والتراجع عن الضمانات الباقية بالمشروع، ويؤكد على أهمية مطالبات نقابة الصحفيين منذ فترة طويلة لإصدار القانون ككيان واحد دون تقسيم، وفي أقل الحدود العودة إلى النص التوافقي قبل العبث الحكومي الأخير بما  يحويه من ضمانات.. وهو أمل بات بعيد وربما يحتاج لمرحلة تالية من نضال الجماعة الصحفية والإعلامية ليس فقط للعودة للقانون الموحد بل أيضا بحثا عن توازن قوى بالمجتمع يضمن إقرارها وتطبيقها والحفاظ عليها.

 

التعليقات
press-day.png