رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

أحمد بهجت صابر يكتب: المسلمون فى قفص الاتهام

قال لى محدثى إنه دُعى لمؤتمر بأحد المدن الأمريكية التى تبعد بضعة ساعات عن العاصمة واشنطن قبل وقوع أحداث 11 سبتمبر 2001 بحوالى ثلاثة أسابيع وعندما وصل وجد اللافتة الرئيسية للمؤتمر " الجهاد ضد أمريكا ", فأفل راجعاً من حيث أتى .

مع توالى جرائم القتل والترويع التى نتابعها بالمدن الأوروبية والأمريكية وآخرها ما حدث بالعاصمة الألمانية برلين الاثنين الماضى من دهس بشاحنة فى أحد  أسواق الميلاد بالمدينة أودى لوفاة 12 شخصاً, تجد البعض من الساسة يُسارع إلى اتهام الإسلام واللاجئين المتسببين فى كل المآسى التى تعانى منها مجتمعاتهم, فقد أكد وزير الداخلية فى ولاية بافاريا يواكيم هرمان أنه لا يمكن للرأى العام أن يقبل باستمرار وضع تتضاعف فيه مخاطر الاعتداءات الناجمة عن أفراد يتبعون ما أسماه بالتشدد الإسلامى, فى حين رأت زعيمة حزب بديل ألمانيا " بيجيدا " فراوكه بيترى (وهو حزب متطرف) أن بلادها لم تعد آمنة أمام ما وصفته بإرهاب " الإسلام المتطرف ", وشددت بلغة واضحة على أن " التهديد الإسلامى " وفد إلى ألمانيا خلال فترة العام والنصف عام الماضية أى مع قدوم موجات اللجوء .

هذه اللغة الواضحة فى الحديث استخدمها الدكتور سعود الشرفات فى مقالة له على موقع " مركز شرفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب " الأردنى والتى جاءت بعنوان " " خرافة الدين والتسامح .. إسلام المجتمع المأزوم " حيث قال " والحقيقة أنه ومنذ هجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية – تحديداً- والإسلام كدينٍ وحضارةٍ أو أيديولوجية لجماعات متهمٌ في العمق بأنه دينٌ إرهابي وغير متسامح إطلاقاً ويشجع على التطرف، وإلغاء الآخر، ثم إنه يقدم الدليل بعد الدليل الذي لا يدحض - للأسف الشديد- كل يوم بأنه كذلك ؟!", وبالرغم من أن اللغة التى كُتبت بها المقال بمجملها فجة إلى حد ما فإنها تعبر على ما يبدو عما سكت عنه العديد من السياسيين الغربيين فلسان حالهم وأقوالهم فى الكثير من الأحيان مهذبة تتهم الدين الذى أنتج ما رأوه من تطرف وقتل, ناهيك عن أن المجتمعات البشرية فى مجملها لا تخلو من الأصوات المتطرفة .

يتمثل تخوفى الرئيسى فى كل ما نراه ونشاهده أن الزمان يدور دورته من جديد بالمجتمعات الأوروبية ليُعيد إنتاج – بشكل أو آخر - أدبيات فترة التنوير وأحداثه التى تصدرها جون لوك وفولتير وآخرون كُثر حيث استطاعت القارة العجوز فى ذلك الوقت - وإلى حد مقبول - أن تُضمد جراحها  حتى وصلت إلى مرحلة الاتحاد بعد عقود من النزيف الدامى بين أطياف المجتمع المختلفة والتى تمثلت فى الكاثوليك والبروتستانت, وأخشى تكرار ذلك مرة أخرى مع المسلمين الآن فى ظل تصاعد موجات التطرف الغربية, وما حروب البلقان منا ببعيد.

 الصورة التى نقلتها فى بداية حديثى كانت لأحد التنظيمات المتطرفة بالولايات المتحدة, وغنى عن القول التأكيد على حضارة وسمو الإسلام ناهيك عن أن أدبيات العصر الحديث منذ الشيخ محمد عبده وخير الدين التونسى وصولاً للعديد من النقاشات والأبحاث والكتب التى أصلت للصور الحديثة من الحكم واستخدام أدواتها من انتخابات وديمقراطية وغير ذلك وردت على المتشككين فى هذا المسار, لكن ما حدث هو تكالب النزعات الفردية من بعض الحكام فى حقبة الاستقلال الذين عطلوا مسيرة التطور, بالإضافة إلى أن اتهام الإسلام ليس بالجديد.

 ففى حوار للدكتور رضوان السيد (الأكاديمى اللبنانى وأحد المفكرين الكبار فى عصرنا الحالى) مع مجلة " يتفكرون " التى تصدر عن " مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث " – مركز تفكير مغربى – فى عددها الخامس خريف 2015 قال إن المفكرين الاستعماريين نهاية القرن التاسع عشر اتهموا الإسلام بأنه سبب تأخر المسلمين وأن أطروحة الإصلاح الدينى مستعارة أصلاً من المستشرقين, ورأى الدكتور رضوان أن الحل يتمثل فى " سلطات عاقلة وحاضنة وغير قاتلة, ومفكرين ملتزمين بحق الأمة فى الأمن والاستقرار والتنمية ", اتفق مع المفكر اللبنانى الأكاديمى الفلسطينى والمفكر الدكتور فهمى جدعان وأيضاً فى حوار له من المجلة نفسها لكن فى عددها الأول والذى حمل ملفها الرئيسى عنوان "التسامح والحرية" حيث أجاب على سؤال عن إمكانية بناء حداثة إنسانية بالوطن العربى بما يلى "إدراك هذا المطلب ليس في متناول اليد الفوري، وإنما هو منوط بتصفية الفوضى القائمة والمشكلات المستعصية بالسياسات السديدةوإدراك (الدولة العادلة) النزيهة، وإعادة بناء الإنسان".

أعلم أن حركة المجتمعات والشعوب ليست قالباً جامداً يمكننا التحكم فيه وتشكيله حسبما نريد ونبتغى أو حتى إعادة إنتاجه, لكن الحذر فى قراءة المؤشرات واجب لابد منه.

ahmadibraim@yahoo.com

 صحفى بجريدة الأخبار المسائى

التعليقات
press-day.png