رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: عن الثورة و الدولة (7)

كان تعامل نخبة يوليو الحاكمة بمصر في 1952 مع إسرائيل بإعتبارها العدو الأوحد يقتضي إستعداداً عسكرياً لمعركة تحرير فلسطين التي (المعركة) ما لبثت إلا و قد تحولت لمعركة تحرير أراضٍ أخري إحتلتها إسرائيل بسبب بيروقراطيةٍ و تَرهُلٍ أصابا تلك النخبة في ظل سيادة الصوت الواحد و إن لم يفتقر المجتمع المصري لحيوية فرضتها مصالح طبقية تشكلت معالمها لكن حال غياب الديمقراطية الحقيقية دون بلورتها و تنظيمها في مؤسسات مستقلة.

كانت "الحرب" مع إسرائيل –إذن- هي حجر الزاوية الذي كان بُنِيت عليه عقيدة نخبة يوليو التي سعت في سبيل ذلك لتطوير القدرات العسكرية للجيش المصري من سلاح و مقاتلين في الوقت الذي كانت خطط التنمية تسير في مسار متوازٍ مع التطوير العسكري. إتضحت معالم السياسة العامة لنخبة يوليو لا في 1952 لكن في 1956 و بالتحديد في 26 يوليو من هذا العام حين رفض الغرب تمويل السد العالي، فإضطر "ناصر" إلي اللجوء لتأميم القناة وما تلاه من إجراءات تأميماتٍ أخري لبناء نموذج كان أقرب إلي رأسمالية الدولة حيث إحتكرت الدولة خطط التنمية من خلال تملكها لوسائل الإنتاج و قدرتها علي التأثير في علاقاته كخطوة أولي علي الطريق الإشتراكي.

بعدما أصاب الجيش المصري من خسائر مادية و معنوية في 1967، كان لزاماً علي "ناصر" أن يتوقف قليلاً ليزيل مسببات الهزيمة/الكارثة قبل أن يتحرك ليعيد بناء الجيش ثانيةً لمعركة التحرير. لم تكن الدولة المصرية -كجهاز بيروقراطي ضخم- للغاية قد إنهارت تماماً فظلت تسير بدفعٍ ذاتي وإن تأثرت خطط التنمية بما تم خصمه من التمويل المرصود لها وتوجيهه للإنفاق من أجل إعادة بناء الجيش مما ساهم -علي نحو ما- في عودة الرأسماليين الطفيليين إلي المشهد بعدما تعطلت خطط التنمية التي تقودها الدولة و توقفت بالتالي المكاسب الإجتماعية للطبقة العاملة وتخَلخَل تماسك "تحالف قوي الشعب العامل"، وهو الأمر الذي كان بمثابة المُنطلق الذي إرتكز عليه السادات للمضي قدماً في تخريب قيم إقتصادية وعلاقات إجتماعية مستقرة -نوعاً ما- بعد النصر في أكتوبر 1973 الذي تلاه في 1974 الإنهيار الشامل لكل مفاهيم و معايير "التنمية المستقلة" وما صحبه ذلك من بدايات الإضطراب الطبقي المدعوم بنتائج تحالف مؤسسة الحكم مع جماعات الدين السياسي حسبما أشرنا سابقاً.

يلحظ المراقب في هذا الإطار إرتباط حتمية "التنمية" -التي لا يجوز لها إلا أن تكون "مُستقلة"- مع ضرورة "الصراع" مع إسرائيل رغم ما يبدو من تناسب عكسي لكل منهما مع الآخر، فعلي الرغم من تنامي الصراع المصري-الإسرائيلي العسكري وما استلزمه ذلك من إنفاق ضخم قبل كارثة 1967، إلا أنه لم يؤثر في خطط التنمية و ما تحتاجه من تمويل أضخم، و يجدر بنا في هذا السياق تكرار وجهة نظرنا أن ما أوصلنا إلي مشارف الكارثة في الخامس من يونيو وما تلاها من وقف خطط التنمية لم يكن بسبب طغيان جانب علي الآخر (الإنفاق علي التنمية مقابل الإنفاق علي التسليح) لكنه كان بالأساس راجعاً إلي بيروقراطية التنظيم السياسي الأوحد و غياب الديمقراطية.

في نوفمبر 1977، كانت زيارة السادات للقدس بمثابة الصاعقة التي ضربت العقل الجمعي المصري فأصابته بواحدة من الصدمات الفكرية التاريخية التي إستقال بسبب ترتيباتها "المسبقة" كل من إسماعيل فهمي وزير الخارجية و محمد رياض وزيرالشئون الخارجية قبل الزيارة بيومين فقط. في مارس 1979، كان توقيع إتفاق السلام ليضع المجتمع المصري -و في القلب منه الجيش الوطني الذي إنتصر قبل ست سنوات فقط- علي حافة أزمة بالغة الحدة ومأزق قيمي شديد الخطورة من جراء ما أطلق عليه السادات شخصياً "كسر الحاجز النفسي" وما تم ترويجه من أكاذيب بائسة في هذا السياق بغية تفريغ الصراع من أسسه القومية الراسخة ومن مضامينه الإنسانية النبيلة مثل مناهضة العنصرية، لتبدأ حالة من فوضي الأفكار والتعليقات والتساؤلات في التداول داخل المجتمع المصري بدأت هَمساً ثم ما لبثت أن ملئت سماء المحروسة بمنتهي التبرج بزعمٍ غير موضوعي من نوع "أن مصر قد خاضت حروبها مع إسرائيل ودفعت في سبيل ذلك غالي الأثمان من مواردها الإقتصادية و دماء أبناءها لأجل من باعوا أراضيهم لأعدائهم"، و"ما الذي جلبه لنا العرب"، و"ما الذي نالنا من مناصرة القضية الفلسطينية و الحرب من أجلها" و "أولها فلس و أخرها طين" إلي آخر هذه الترهات البائسة ليأتينا 6 أكتوبر 1981 و قد إنسحبت مصر من معادلة القيادة رغم إمتلاكها لكل مقوماتها و إضطرب فيها ميزان الطبقات مع تعطل التنمية و تعثر النمو.

للحديث بقية إن كان في العُمر بقية.

 

التعليقات
press-day.png