رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

وفاء صبري تكتب: مغارة على بابا فى مجلس الدولة

سمعنا منذ نعومة أظافرنا قصة الراعى الذى دأب على الصراخ "الذئب.. الذئب" ليستغيث بالناس من الذئب كذباً، فصاروا لايصدقونه عندما هاجم الذئب غنمه بالفعل.  ومنذ إندلاع ثورة الخامس والعشرون من يناير إلى الآن أذاق النظام الحاكم المصريين الأكاذيب صنوفا وألوانا، بدأً بوصف الثورة بأنها ثورة مجيدة يُعظم شهدائها بالتحية العسكرية، ومرورا بمناورات التعديلات الدستورية فى 2011 وكل ما تلاها من أحداث وقرارات للإلتفاف حول مطالب الثورة، ومن بعدها تصريح الرئيس بعد 30 يونيو بأنه ليس لديه رغبة فى حكم مصر لأنه لن يسمح للتاريخ أن يكتب أن الجيش تحرك لمصالح شخصية أو طمعا فى الحكم لا سمح الله، ثم التحول المفاجىء لوصف ثورة يناير فى الإعلام بالمؤامرة، وإتهام كل رموزها الذين كان يجتمع بهم المجلس العسكرى ويوقرهم ويقلدهم أرفع المناصب فى الدولة إلى عملاء وخونة وممولين، والتنصل من الالتزام بخارطة الطريق التى أُعلنت فى 3 يوليو 2013، وإنتهاءاً بهذا الكم من الأكاذيب على ألسنة المسؤولين بالدولة التى أصبحت تتصدر الصحف ووسائل الإعلام يوميا خلال العامين الماضيين، من الإعلان عن اختراعات وهمية، مثل جهاز علاج الإيدز وفيروس سي، وأكاذيب المشروعات العملاقة التى ستدر الملايين كتفريعة القناة التى أهدرت المليارات دون طائل، وإستصلاح الأربعة مليون فدان، ومشروع المليون وحدة سكنية، ومليارات المؤتمر الإقتصادى فى 2015 التى لم تتحقق جميعها، إلى الوعود والتصريحات الكاذبة مثل عدم المساس بالأسعار وتعويم الجنيه الذى لن يؤثر عليها، وغيرها كثير لا يتسع المجال هنا لسردها جميعا.

 

يضاف إلى ذلك التدفق الذى لاينضب من القصص المختلقة للتغطية على جرائم  تعذيب المواطنين بأقسام الشرطة والإختفاء القسرى وتلفيق الإتهامات، التى تجلت فى 4 روايات مختلفة للإعلان عن المدانين بإغتيال النائب العام هشام بركات خلال 9 أشهر تبدلت في كل منها الوقائع والمدانون والجهات التي تقف وراءهم، وتم إستناداً عليها تصفية 11 شخصا ارتبطت أسماؤهم بهذه القضية. وكذلك مسلسل التلفيق المحاك بسذاجة مفضوحة فى قضية مقتل الإيطالى جوليو ريجينى، والذى بدأ بالتلميح بأنه قُتل لأنه شاذ جنسيا ثم مدمناً للمخدرات ثم جاسوساً، وإنتهاءاً بمسرحية هزلية لإلصاق تهمة قتله وتعذيبه بعصابة مزعومة، والتي راح ضحيتها خمسة مصريين تمت تصفيتهم ودس متعلقات ريجينى لدى ذويهم، وهى القصة التى تراجعت عنها السلطات المصرية بعد أن رفضها النائب العام الإيطالي. هل يعصى على من تلوث بكل هذا الكم من الكذب والتدليس أن يختلق أى شىء للوصول إلى أغراضه؟

 

نظام يدعى إنه يحارب الفساد ثم يقوم بإعفاء المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات من منصبه، بالمخالفة للقانون والدستور، على خلفية تصريحاته عن حجم الفساد في مصر، ويعاقبه بالسجن والغرامة بتهمة نشر أخبار كاذبة. نظام رفض أغلبية مجلس نوابه إستحداث تشكيل لجنة الشفافية لمحاربة الفساد، ثم يفاجئنا اليوم بخبر القبض على مستشار مجلس الدولة المسؤول عن المشتريات لتقاضيه رشوة، دون الإعلان عن تفاصيل واقعة الرشوة أو الراشى، والعثور على مغارة على بابا بمنزله، حيث تم ضبط ما يعادل 150 مليون جنيهاً من عملات مختلف به، بالإضافة إلى مشغولات ذهبية وسندات لممتلكات أخرى!

هل تتذكرون أيام الثورة عندما انتشرت الشائعات عن حجم ثورة مبارك فى الميدان وأُتخذ ذلك مبررا للدعوة لمحاكمة النظام محاكمات مدنية وليست ثورية لكي نتمكن من إسترداد الأموال المنهوبة؟ وتوارت المطالبات بالمحاكمات الثورية حينها طمعا فى ذلك، وأنشغل المواطنون بإحتساب نصيب كل منهم من الثروة المنهوبة التى سيتم إستردادها. المليارات والملايين الطائلة لها وقع السحر على الآذان، فما بالك على العيون؟! ماذا سيحدث عندما يرى الناس هذه الصور التى نشرتها كل وسائل الإعلام لهذه الملايين التى أكتظت بها الحقائب التى تم ضبطها فى شقة المستشار المتهم؟ جنيهات ودولارات ويورو وريالات وذهب ومرجان وياقوت!!! فيصب الناس غضبهم على مجلس الدولة وتطال شبهات الفساد كل من فيه. ولأنه لا يعقل أن يتحصل مسؤول المشتريات بمجلس الدولة على 150 مليون جنيهاً رشاوى مقابل مشتريات ميزانيتها السنوية أقل من ذلك بكثير، فلابد من وجود شبهة فساد فيما هو أكبر وأكثر من المشتريات. فساد فى مجلس الدولة ومستشارى مجلس الدولة، وعليه ستتوالى الدعوات للتدخل فى مجلس الدولة لتطهيره، وستتعالى صرخات إعلامى السلطة لإطلاق يد الرئيس في تعينات مجلس الدولة، ويتزامن كل ذلك مع إقتراح لمجلس النواب لتعديل القوانين الحاكمة له إذا دعت الحاجة إلى ذلك.  

سيناريو مكرر شاهدناه من قبل للتعامل مع الأزمات، أو عند الحاجة لتمرير ما لايصح تمريره، و قبيل كل إنتهاك للدستور والقانون، أو لمواجهة أى ضغط شعبي يطالب بالحقوق. كيف لنا أن نصدق أنكم تحاربون الفساد بعد أن عاقبتم رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات بتهمة نشر أخبار كاذبة لمجرد إنه أشار إلي حجم الفساد؟ إذا كان تقرير المستشار جنينة عن حجم الفساد أخباراً كاذبة، فبماذا نصف تربح موظف بالدولة ما يعادل 150 مليون جنيهاً؟  وإذا كان ذلك حدث بالفعل، وليس تلفيقا كما إعتدناه منكم، فهل تعفون عن المستشار جنينة وتردون له إعتباره؟ وهل هذه مصادفة أن يُزاح الستار عن هذا الكم الهائل من الفساد فى مجلس الدولة الذى أصدر قضاته الحكم الصادر ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والمملكة العربية السعودية، التى تضمنت نقل تبعية جزيرتي تيران وصنافير للمملكة؟ والتى يقاتل النظام المصرى أمام هذا القضاء لإثبات تبعيتهم للسعودية؟ وهل هى مصادفة أن يحدث ذلك بالتزامن مع تعديل قانون مجلس الدولة المقدم من الحكومة للبرلمان؟

هل يصح أن نلوم أى أحد إذا فقد الثقة تماما فى نظام فاقد للمصداقية، دأب على الكذب وإختلاق القصص كلما واجهته أزمة أو إحتاج لتبرير خطأ؟ هل نلوم الراعى الذى صرخ كذباً: "الذئب... الذئب" عشرات المرات؟ أم نلوم من لا يصدقه؟

 

 

 

التعليقات
press-day.png