رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

د. محمد محفوظ يكتب: من فريجيدير مبارك إلى تلاجة السيسي.. عام جديد ومصر تحت التجميد

 

٣٠ عاماً كابدت فيها مصر صقيع حكم مبارك .

دخلت مصر خلالها " فريچيدير مبارك " لسنين وسنين .

تجمدت كل قدراتها في أكياس اللاحزب اللاوطني اللاديمقراطي .

وتخشبت أطرافها في حلل وطاسات وصواني المناصب المؤبدة والكراسي المحنطة .

وزبر الثقافة فاروق حسني ٢٤ سنة .

وزير الإعلام صفوت الشريف ٢٢ سنة .

وزير الدفاع محمد حسين طنطاوي ٢١ سنة .

رئيس مجلس الشعب فتحي سرور ٢١ سنة .

وزيرة التامينات والشئون الاجتماعية آمال عثمان ٢٠ سنة .

وزير الزراعة يوسف والي ٢٠ سنة .

وزير الكهرباء ماهر أباظة ١٩ سنة .

وزير العدل فاروق سيف النصر ١٧ سنة .

وزير الإسكانحسب الله الكفراوي ١٦ سنة .

رئيس مجلس الشورى مصطفى كمال حلمي ١٥ سنة .

وزير الداخلية حبيب العادلي ١٤ سنة .

رئيس الوزراء عاطف صدقي ١٣ سنة .

وزير التعليم حسين كامل بهاء الدين ١٣ سنة .

وزير السياحة ممدوح البلتاجي ١١ سنة .

وزير الخارجية عمرو موسى ١٠ سنوات .

.. مناصب مؤبدة ممتدة متمددة ، جعلت مصر جامدة هامدة متجمدة .

وفي مساء يوم ١١ فبراير ٢٠١١ ظنت مصر لوهلة أنها خرجت من الفريجيدير .

ولكن تبين بعد ذلك ، أن باب الفريجيدير فقط هو الذي كان موارباً .

وسرعان ما بدأ ينغلق رويداً رويداً .

وعندما دب الصقيع ليفرض التجميد على ما كان في طريقه للذوبان.

أيقنت مصر بأن الفريجيدير باقٍ كما هو . 

وأن الذي تغير هو اسمه فقط ليصير : تلاجة .

وأيقنت مصر بأن نظام مبارك باقٍ كما هو .

وأن الذي تغير فقط هو اسمه ليصير : نظام السيسي .

وهكذا تحول " فريجيدير مبارك " إلى " تلاجة السيسي " رغم ثورة أولى في ٢٥ يناير ، تبعتها في ٣٠ يونيه موجتها الثانية .

لم يغير السيسي شيئاً في مصر .

 فقط أفرز ظاهرة صوتية كلامية متمكنة ومزمنة .

تمخضت عن شعارات غارقة في عبثها ..

أد الدنيا ..

تحيا مصر ..

ثورة دينية ..

نور عينينا ..

مسافة السكة ......

لم يغير السيسي شيئاً في مصر .

فتكررت سياسات مبارك بأوراق كربونية " مستعملة " .

لتتولد عنها نسخ تبدو مطابقة ، ولكنها باهتة تنقصها الاحترافية و " المعلمة " .

ومثلما تسلم مبارك مصر مُطهرة من هزيمة ٦٧ ومزهوة بانتصارها في ٧٣ - الذي كان هو أحد أبطاله - ولها السيادة على كامل أرضها ، إلا أنه أضاع كل ذلك بخلطة فاسدة من الحكم الذي يعتمد على التحديث المقتصر على البناء والإنشاء ، المتغافل عن تطوير نظم الإدارة بجودة الأداء وكفاءة التشغيل ومكافحة الفساد ، المعادي للعدالة والحريات باعتبارهما مزايدات . 

فإن السيسي هو الآخر تسلم مصر وهي ثائرة على حكم مبارك ومتمردة على حكم الإخوان - وكان له الفضل في ترجمة هذا التمرد لخارطة طريق كانت ينبغي أن تنقل مصر لعتبات أبواب أحلامها - إلا أنه أضاع كل ذلك بخلطة منتهية الصلاحية من الحكم الذي تجاهل قوة الدفع الساحقة التي امتلكتها مصر بفعل ثورتها الأولى وموجتها الثانية ، واستنسخ سياسات تحمل كل مؤشرات فشلها ، واعتمد على ذات النوعية من الرجال والسيدات منزوعي السياسة ومنفذي التعليمات والتوجيهات لا غيرها .

تجمدت مصر في تلاجة السيسي في فترة قياسية نتيجة فرق التكنولجيا وتراكم الخبرات . وبينما احتاج فريجيدير مبارك لسنوات وسنوات ليتم التجميد تمهيدا للتوريث ، تمكنت تلاجة السيسي من إتمام مهمة التجميد في شهور وشهور ، بعد أن تم إفراغ رفوفها من زجاجات المياه الباردة لتحل محلها مصر بحاضرها ومستقبل أيامها .

تجمدت مصر فلم تحرك ساكناً ؛ وهي تتابع بحسرة شواهد انهيار اقتصادها وتراكم ديونها ، وتوريط جيشها في متاهات الحياة المدنية والسوق الاقتصادية والمنافسة التجارية بكل تشابكاتها وتعقيداتها .

تجمدت مصر ؛ وهي تراقب بغصة انقلاب شرطتها وأجهزتها الأمنية على أعقابها ، لتعاود إدمانها لخدمة النظام بالشوارع الخلفية والقنوات الخفية البعيدة عن شعبها .

تجمدت مصر ؛ وهي تشهد بكمد محنة قضائها الذي قيدته بيروقراطية الأوراق العاجزة والقوانين المتعكزة على عشوائية وفوضوية نصوصها .

تجمدت مصر ؛ وهي تتطلع بمرارة إلى مجلس نوابها وهو يُسلِّم قياد سلطته التشريعية ومهامه الرقابية لائتلاف دعم مصر الذي ضمنت الحكومة أن يوقع على بياض - ويصوت بالتلاتة - على كل أوراق سياساتها وإجراءاتها مهما خاصمت الدستور وتنكرت لمطالب واحتياجات شعبها .

تجمدت مصر وهي ترقب بألم ؛ الصدأ وهو يأكل مؤسساتها بعد أن تم تصنيمها ، وتسخيف أو تخوين أي مبررات لإعادة هيكلتها أو تطويرها بحجة تثبيت مفاصل الدولة ومنع سقوطها .

تجمدت مصر  ؛ وصاحب التلاجة يحسب بأن التنمية في الحجر بالإنشاءات والمشروعات بعيداً عن البشر بحقوقهم وحرياتهم يمكن أن تحقق مالم يحققه صاحب الفريجيدير . وكأن كليهما لم يعلما من قصص الأطفال - قبل ملاحم الكبار - بأن التعلية على أساسات واهية نتيجتها الوحيدة سقوط البناء سقطة ساحقة مدوية .

ولكن السقطة المشينة والمهينة ؛ أن مصر أصبحت في حاجة إلى " كفيل " يدعم موتور التلاجة بالطاقة التي يحتاجها لتحافظ على تجميدها .

وللأسف - أو للعار - لكل كفالة .. ثمنها .

دخلت مصر في كفالة السعودية ، فكانت تيران وصنافير ثمناً ينبغي لمصر دفعه من سيادتها وجغرافيتها وتاريخها وتضحيات أبنائها . ولما بدأ الثمن يتلكأ وتتهدده غيابات المحاكم ، برز المن والأذى ليبطل مساعدات - أو بالاحرى صدقات - لم تبتغ وجه ربها .

ودخلت مصر في كفالة روسيا ، فكانت لطمة سقوط الطائرة الروسية كافية لامتعاض الكفيل ، واستدعاء المرارة التي يتجرعها من لم يتق شر من كان محلاً لكفالته أو بالأحرى إحسانه .

ومازالت مصر في كفالة الإمارات ، ولا أحد يعلم ماذا سيكون الثمن بعد أن سقط شعار " مسافة السكة " في أول تحدياته . وتبين أن الظاهرة الصوتية لا تلبي ثمن كفالتها إلا بأكلاشيهات جفت أحبارها .

لكل ذلك .. ربما آن الأوان للبدء في الاستعداد لإخراج مصر من تلاجة السيسي وإعادة زجاجات المياه إلى رفوفها . ففترة رئاسية واحدة - حتى قبل أن تكتمل - كانت كافية ؛ لكي تعرف مصر أن استمرار حصارها بين حكم الكاب وفزاعة الجلباب - أو حكم الجلباب وفزاعة الكاب - قد يهدد مستقبلها إن لم يكن بقاؤها .

فالعام الجديد الذي يحل على مصر وهي تحت التجميد ؛ لا ينبغي إلا أن يكون حافزاً لتصبح سنة ٢٠١٧ هي الساحة الزمنية المتاحة لممارسة الإحماء والتسخين ، لتتمكن القوى السياسية من الدخول لسنة ٢٠١٨ وخوض انتخابات الرئاسة التي ينبغي أن تسفر نتيجتها عن إيداع تلاجة السيسي في مخازن الكهنة ، تمهيداً لنسفها في اليم نسفاً وإغراقها .

فإذا لم يتمكن المصريون من تحقيق ذلك .. توهماً في أن الجواب قد يختلف موضوعه عن عنوانه .. أو تخاذلاً لحسبانهم بأن الله سبحانه وتعالى سيغير ما بقوم دون أن يغيروا ما بأنفسهم .. أو تكاسلاً استناداً للحكمة الخائبة : اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش .. أو .. أو ..

لو لم يتمكن المصريون من تحقيق ذلك ، فعليهم تغيير المراوح بالدفايات ، وضبط أجهزة التكييف علي الساخن لا البارد ، وعليهم تعليم أولادهم بأن مناخ مصر قد أصبح بارداً صيفاً وربيعاً ، متجمداً شتاءاً وخريفاً .. وذلك طالما استمرت تلاجة السيسي عامرة بمصر وشعبها بدلاً من زجاجات مياهها .

*****

dr.mmahfouz64@gmail.com

 

التعليقات
press-day.png