رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

رائد سلامة يكتب: الكتلة التاريخية بين «تيران وصنافير» و«صندوق النقد»

يخطئ أي محلل أو مراقب خطأً بالغاً إن تعامل مع الشأن الإقتصادي بمعزل عن ظله الإجتماعي و مركزه السياسي، فما القرار السياسي -أياً كانت طبيعته- إلا ترجمة علي أرض الواقع لتوجهات عامة و رؤي إجمالية حاكمة، و بالتالي فلابد من التركيز بالتحليل و الفحص "لمسار" إتخاذ القرار السياسي و سياق صناعته لأجل التعرف علي الهوية الطبقية لصاحبه خاصة في ظل تراث دولة بطريركية الطابع كالدولة المصرية حتي و إن أتت الوثائق الدستورية بما يخالف ذلك التراث. من هنا نبدأ، فرغم ما يحتويه دستور ٢٠١٤ من توزيع للسلطات يبدو مقبولاً علي نحو ما، إلا أن التراث السياسي المصري مازال قائماً علي ركائز دولة "الأب".. الزعيم المُلهَم.. الرئيس الضرورة و صاحب القول الفصل الذي تدفع قرارته وحده المجتمع صوب التغيير الإيجابي للأمام أو السلبي للوراء.

وتساهم مؤسسات الدولة -بحُكم خبراتها التي تتناقلها أجيالها علي خلفية التراث السياسي "الأبوي"- في ترسيخ هذا النموذج لتتحول إلي مجرد مُنفذِ لما يقرره "الأب/الرئيس/الزعيم" متنازلةً بذلك طوعاً عن صلاحيات إستمدتها من مصادر متعددة.

إذن فطبيعة السلطة بمصر و بالعديد من دول الشرق المُبتَلي لم تتطور منذ خمسينات القرن الماضي رغم تطور العالم و تبدل آليات عمله و كيفية تعاطيه مع مشكلاته، ليبقي "القرار" الذي يصنعه المُلهَم الضرورة هو الجدير بالنظر رغم مروره شكلاً بقنوات عديدة لا تملك إلا أن تباركه و تزكيه. من هنا كانت الحاجة قد صارت أكثر إلحاحاً لفهم الواقع السياسي الحالي من خلال تقييم "القرار" و سياق صناعته لا الشخصيات و لا تاريخها أياً كان، "فالقرار" هو الكاشف للهوية الطبقية بفعل وضوح إنحيازاته و تأثيراتها المباشرة، و بالتالي فهو الجدير بالتقييم حتي يتمكن جميع أفراد المجتمع علي تنوع عقائدهم و إنتماءاتهم الفكرية من تحديد مواقفهم من السلطة بشكل أكثر تركيزاً و وضوحاً.

كان الفخ الذي هَوَت كل القوي السياسية المصرية في براثنه منذ يناير ٢٠١١ بإستثناءات محدودة للغاية هو فخ "الغرق" في الظاهرة و اللهث وراء تحليل تفاصيل نتائجها لا "الطفو" علي أساس الأزمة التي أنتجت تلك الظاهرة و تقييمها طبقياً، فكان التشرذم بسبب إفتقاد الرؤية الكُلية و غياب تحديد الموقف العام هو نصيبنا جميعاً.

إن تقييم تفاصيل أي ظاهرة -علي أهميته البالغة- ينبغي أن يأتي تالياً لتحديد الرؤية الكلية و الموقف العام الذين يجب أن يكونا مبنيين بشكل علمي علي تحليل طبقي لقرارت السلطة و فهم عميق لمسارات إتخاذها. فقرار التنازل عن "تيران و صنافير" -و ما تلاه من تحركات و قرارات رسمية بائسة لا تقيم وزناً لا لقانون و لا دستور و لا حتي لإرادة شعبية- لا يجوز تحليل أسبابه و دراسة آثاره و تقييم تبعاته و من ثم تحديد طرق التعامل معه بمعزل عن القرارات الإقتصادية الأخيرة من تعويم للجنيه المصري و خفض للإنفاق العام و تحرير للأسعار و لا بمعزل عن قانوني الخدمة المدنية و الجمعيات الأهلية، فكل تلك القرارات تسير إجمالاً في فَلَكٍ واحد.

من هذا المُنطلق و بعيداً عن رطانة دوجمائية لم يعد لها بعالمنا مكان و لا مكانة، أري أنه قد صار لِزاماً علي أغلب القوي السياسية الحية الفاعلة التي يأتي الشباب في القلب منها أن تحدد إستراتيجيتها التي لا ينفصل فيها السياسي عن الإقتصادي عن الإجتماعي وفق منهج علمي تحليلي لطبيعة قرارات النظام -الذي مازال و سيظل لفترة من الوقت أبوياً- و مسارات صنعها، و من ثم تضع تكتيكاتها المرحلية للتعامل معه بشكل مرن و بصورة لا تخل بواجباتها حيال التعامل اليومي مع آثار و نتائج تلك القرارات في إطار التراكم الذي يخدم الإستراتيجيات الأساسية و يتيح لها أن تؤتي ثمرتها علي المدي المتوسط-الطويل آخذاً في الإعتبار أن أي تغيير حقيقي في جوهر النظام السياسي لن يحدث فجأة و لا بصورة عشوائية تلقائية تلافياً لعثرات ما بعد يناير ٢٠١١.

ربما كان إحتياجنا الآن لإستدعاء بناء "الكتلة التاريخية" علي الطريقة المصرية التي أدعو لها منذ فترة طويلة قد صار فرض واجب لا فرض كفاية.

#تيران_وصنافير_مصرية

التعليقات
press-day.png