رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: إسكندرية ليه

لم أعتد الكتابة بالعامية علي عشقي لها و متابعتي الحثيثة لأساطين شِعرها و سعيي الدائم الدؤوب خلفهم إبتداءاً بإبن عروس للنديم لخيري و التونسي و سلسال الحدادين (فؤاد حداد و نسله حتي الأحفاد) و جاهين و الفاجومي و زين العابدين و قاعود و حجاب و بخيت، و إنتهاءاً بشياطين هذا الزمان و صعاليكه من أحمد شبكة و النويهي و عبد المجيد راشد و إسلام وهبان و ممدوح فوزي و سيد شعبان، لكني لم أجد عنواناً أضعه علي رأس هذا المقال أصدق تعبيراً عن بؤس حالنا من إسم فيلم عبقري السينما يوسف شاهين في محاولةٍ مني للهرب خارج حدود صرامة الكتابة العلمية إلي ما وراء حرية آفاق التأمل عَلَني أتحرر قليلاً و لا أرهق قارئي الكريم بمصطلحات قد يراها جافةً و إن تناسبت مع مقتضي الأحوال و فرضتها موجبات مرارة هذا الزمن التَعِس..”إسكندرية ليه”.

ربما تَذَكَر أبناء جيلي ممن تَعَدوا الخمسين ربيعاً (أو خريفاً، قُلها كما تشاء لك حالتك المزاجية) هذا الشارع الذي كان ينتهي بحديقة واسعة تتناثر علي حوافها بترتيبٍ بسيط -لكنه مُحكم- بعض الشاليهات ذات الطابق الواحد التي لا تخلو من جمال لم تفسده آثار مرح أطفال منتصف ستينات القرن الماضي..كان شارع الكورنيش الوسيع آنذاك يفصل بين تلك الشاليهات و رمال الشاطئ..كل شيئ كان مُرَتباً بصورة لا تبعث إلا علي إستدعاء البهجة..عبقُ الفلافل و لقمة القاضي في الصباح، فدخان البوري المشوي بالرَدّة فيما بعد الظهر، ثم رائحة الفول السوداني المُحَمص و غزل البنات قرب “بير مسعود” في المساء..مازالت تلك التصاوير لم تبرح الذاكرة المُتعَبة برسم أحداث السنين و الإغتراب خارج و داخل أسوار الوطن. في نهاية سبعينات و بداية ثمانينات هذا القرن كان فتيً وسيماً قصير القامة يسعي في رداءه الأخضر بين عمالقة مصر و إفريقيا مُتلاعباً بعواطفنا الوطنية بعيداً عن اللعبة الشعبية الأولي، فكان فاتحة كتاب حماس أبناء جيلي لكرة السلة..ما لبث الفتي إلا و قد نبتت لحيته التي كلما إزداد طولها كلما طال معه “الشورت” الذي يرتديه ليتوقف عند ما بعد الرُكبة. كان شارع الذكريات هو شارع “خالد بن الوليد” و كان الفتي قصير القامة هو بطل سيد البلد و معبوده “مدحت وردة”.

مضت سنين و سنين دُهِست فيها زهور حديقة الشاليهات تحت سنابك تغيرات إجتماعية جامحة جرفت أمامها كل ملامح الجمال و طغي القُبح شيئاً فشيئاً و صار ما صار. فجر الثلاثاء الثالث من يناير 2017..دماء علي شاطئ البحر/شاطئ النحر..ربما كان “يوسف لمعي” إبن بائع السوداني المُحَمص الذي مازالت رائحته عالقة بأنفي حتي الآن..ربما كان -و هو إبن جيلي-- طفلاً ممن لعبت معهم الكرة في حديقة الشاليهات منذ ما يزيد عن الخمسة و أربعين عاماً جرت فيها تحت الجسر مياهٌ عَكِرةٌ كثيرة..ربما كان إلي جواري في مدرج الملعب نُغَني ثم نصرخ طرباً لملاعيب القصير المكير بطل سيد البلد كلما أصاب من بعيد سلة الخصم و إقتنص الثلاث نقاط.

أعود فأسترجع العنوان..”إسكندرية ليه”..كانت أمواج البحر في زمن مضي تحمل مع هواء الصيف و أنواء الشتاء حضارات قوم سكنوا الشاطئ الآخر فإنتقلت عبرها ثقافات تداخلت ثم تناغمت فإنصهرت صانعة مزيجاً وجدانياً فريداً لأبناء الحضرة و الورديان و القباري و الراس السودا و الأنفوشي و أبو قير و زيزينيا و المرسي أبو العباس و النبي دانيال (أذكُر مسجداً قرب محطة مصر إسمه “مسجد النبي دانيال”..ياللإبداع)..ربما كان هذا سر هجمة أبناء صحراوات الجهالة و البداوة و المال بلا حساب لوئد بذرة الحضارة في مهدها لتظل الدماء ساخنة علي شاطئ البحر/شاطئ النحر و يظل السؤال مفتوحاً لإستيعاب مزيدٍ من الإجابات..إسكندرية ليه؟

#تيران_وصنافير_مصرية

 

التعليقات
press-day.png