رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

المهندس. يحيى حسين عبد الهادي يكتب: من الدولة الفاشلة إلى الدولة السافلة

هذا السقوط الأخلاقى له راعٍ رسمى .. لن تستره تسبيلة عين .. ولا قبلةٌ على رأس امرأةٍ مكلومة .. ولا استحضار آيةٍ فى غير موضعها .. كل الطغاة قبلك تحدثوا باسم الله .. والله منهم براء .. حاشا لله أن يرضى عن التنصت على خَلْقِ الله .. لا الله يرضى .. ولا القيم الإنسانية ترضى .. ولا الديمقراطية ترضى .. حتى الديكتاتوريات تفعل ولكنها تستتر .. أما أن تتنصت الدولة على مكالمات الأفراد .. فتسجل لك مائة ساعةٍ مثلاً وأنت متبسطٌ مع أصدقائك أو زوجتك أو أبنائك أو أقاربك .. ثم يعكف موظفون عموميون على غربلة هذه المكالمات لانتقاء دقيقة أو دقيقتين (إن لم يتم تلفيقهما) ثم يدفعوا بهما لمذيعٍ يقوم بتوظيف الدقيقتين والتعليق عليهما لمدة نصف ساعة من التشويه والسباب الذى يُعاقب عليه القانون .. ولا قانون .. لأن مؤسسات القانون هى التى تخرقه .. فذلك درْكٌ أسفل لم تسقط إليه الدولة المصرية من قبل.

الأديان لا ترضى .. كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يَعس بالمدينة ليلاً فسمع أصوات لهوٍ بأحد البيوت فتسوَّره فوجد رجلاً وامرأةً وبينهما خمرٌ، فلما هَمَّ بعقابهما قال له الرجل: يا أمير المؤمنين لا تعجل علىَّ، إن أكن عصيتُ الله، فقد عصيتَه في ثلاث، قال تعالى : ولا تجسسوا، وقد تجسست، وقال: وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها، وقد تسورت علىَّ ودخلت من ظهر البيت بغير إذن، وقال: لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها، وقد دخلت بغير سلام .. فخرج عمر وتركه لأنه يعلم أن كبيرة التنصت أشدُّ من الكبائر التى ضبط الرجل والمرأة بها.

والديمقراطية لا ترضى .. أُجبر رئيس أقوى دولةٍ فى العالم على الاستقالة فيما سُمِّى بفضيحة ووترجيت لأن أفراداً من حزبه وضعوا أجهزة تنصتٍ فى المقر الانتخابى للحزب المنافس لمعرفة استراتيجيته الانتخابية .. وقد اندهش معظم العرب وقتها لأن يكون ذلك سبباً كافياً لاستقالة رئيسٍ (فضلاً عن أن يكون رئيس أمريكا).

أما الديكتاتوريات فتتنصت بلا شك ولكنها لا تجاهر بما تفعل .. عندما أراد الساداتُ أن يُشّهِّرَ بمعارضيه فى القضية المُسمَّاة بمراكز القوى، اتهمهم بالتنصت .. ويذكر من عايشوا تلك الفترة حركته المسرحية بالاحتفال بحرق التسجيلات .. حتى فى عهد مبارك، لم يجرؤ مسؤولٌ على المجاهرة بارتكاب جريمة التنصت (دعكم من إذاعة التسجيلات)، وانقلبت الدنيا على حبيب العادلى عندما أجاب على سؤال: هل تتنصتون على المكالمات الشخصية، بقوله: اللى خايف ما يتكلمش .. واعتُبِر ذلك اعترافاً مُبَّطناً بجريمة التنصت .. حتى الإخوان .. فرغم ما يؤخذ عليهم من أخطاء، فلم يكن من بينها التنصت على خصومهم .. الحقيقة أنهم كان يُتَنَصَتُ عليهم .. وبعدهم جاء الدستور العظيم الحالى الذى ينص صراحةً فى المادتين 57 و58 على تجريم هذا الفعل .. واستبشرنا خيراً .. فإذا بالرئيس الذى جاء بشروط الدستور يضرب بالدستور والقانون عرض الحائط .. وكأننا فى شبه غابة ..

 بدأت المسخرة ب (انفراد) بعض الصحف بتسريب الحديث الهامس بين الدكتور محمد مرسى ومحاميه الدكتور العوا فى أول جلسات المحاكمات .. وهو تسجيلٌ وتسريبٌ لا يقوم به إلا أحد أجهزة الدولة .. لكن أحداً لم يعترض طالما أن السقطة فى حق الإخوان .. مع أن من البديهيات، أن من ينتهك القانون فى حق خصمك اليوم سيًثَّنِى بك غداً .. وهو ما ألمحه فى رضا بعض الإخوة الناصريين اليوم عن التشهير بالدكتور البرادعى لانتقاده بعضاً من التجربة الناصرية فى مكالمته مع شقيقته .. مع أن من يتنصت ويًشَّهِرُ بالبرادعى اليوم سيُلَّفِق لحمدين غداً .. وقد يفعلها مع عبد الحكيم بعد غد .. فليسوا أكرم عنده من أحد كبار مؤيديه د. مصطفى الفقى الذى أخرجوا له تسجيلاً عادياً عندما أبدى رأياً فيه مسحة اختلاف .. الديكتاتور لا يريد معارضاً ولا مؤيداً .. ليس أقل من الانسحاق الكامل .. وأرجو ألا يُسمعنى أحدٌ هَطَلاً من عينة (إن الرئيس ليس مسؤولاً) .. فى النُظُم الفردية، الرئيسُ هو المسؤول الأول .. هل يستطيع أحدٌ أن يُذيع تسجيلاً لرئيس أركان القوات المسلحة بغير علم الرئيس؟ .. إذن لَحُوسِب الرئيسُ على فقدانه السيطرة .. إن الدولةَ فى مصر لم تكن حتى فى أحلك أيامها بهذا المستوى من السقوط الأخلاقى .. ظلت دولةً محترمة .. حتى وإن كانت مأزومة أو مديونة .. أو حتى محتلة .. لا سامح الله من تحولت على يديه إلى شبه دولة .. واللهم الطُف بمصر .. وبنا.

yehiahussin@yahoo.com

               

 

التعليقات
press-day.png