رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. محمد فتوح يكتب: ليس على الطبيب حرج

هذا المقال كتبته في وقت من الأوقات، وكنت أعتزم نشره عندما أفقد الأمل تماماً، في أي إصلاح منتظر في أحوال الأطباء، أو في إصلاح منظومة الصحه في مصر، ثم رأيت أن أنشره الآن ربما يفهم البعض لماذا يضرب الأطباء؟ ولماذا نحن مصرين على تحقيق مطالبنا؟.

صديقي الطبيب الشاب أدعوك أن تأخذ بنصيحتي قريباً فليس هناك أي أمل تنتظره.

انتظر يوم الجمعه لتشتري جريدة الأهرام في عددها الإسبوعي, إفتح الجريده ستجد في أسفل معظم صفحاتها إعلانات مبوبه , إفحص فيها ستجد إعلانات عن أطباء مطلوبين للعمل بالخليج, ابحث عن الوظيفه التي تناسبك ثم التقط تليفونك واتصل بالرقم الموجود في نهاية الإعلان سترد عليك إحدى الفتيات لتأخذ بياناتك الشخصيه وتفاصيل شهاداتك ثم ستعطيك موعد للمقابله الشخصيه مع صاحب المكان الذي ستذهب اليه أو من ينوب عنه.

في يوم المقابلة إحرص على ارتداء بدلة أنيقة – ربما تكون البدله الوحيدة التي لديك – ثم اذهب إلى المكان الذي ستجرى فيه المقابلة, ستضطر في الأغلب إلى الانتظار لساعات طويلة، وستجد كثير ممن تعرفهم في سنوات عملك السابقة منتظرين معك.

عندما ينادون اسمك ستدخل إلى مكتب يجلس خلفه رجل سمين يرتدي الزي التقليدي لبلده، وينظر اليك من أعلى إلى أسفل ثم يبدأ في سؤالك بعض الأسئله بعضها متوقع وبعضها سخيف وبعضها شخصي. المهم أن  لا تخجل وأن لا تغضب من أسئلته أو من نظراته فأنت تعرض نفسك في سوق نخاسة الأطباء ففي قديم الزمن كان المشتري يهتم في عبده بشكله وكلامه وعضلاته أما الآن فصار يهتم بشكله وكلامه وإستبدل العضلات بالشهادات والخبرات.

في الأغلب ستوافق على العرض الذي سيعرضه عليك إذا نلت إعجابه وستذهب إلى بيتك وأنت سعيد بهذا العرض فلازلت تقارن ماعرضه عليك بالملاليم التي تقبضها من عملك في مستشفيات أم الدنيا ثم ستنشغل بإجراءات السفر من جوازات وتأشيرات وتحليلات معمليه –ستكون سعيد الحظ لو لم تكن من الـ 15% من المصريين المصابين بفيروس سي - ثم ستنشغل أكثر بتدبير تكاليف السفر وإحتياجاته، وعمولة المكتب فغالباً ستكون قد قضيت على أي أموال مدخرة عندك أو عند عائلتك في الإنتهاء من دراساتك بعد التخرج التي ستؤهلك لهذه الوظيفة.

إذهب لتوديع من يهمونك من أهلك وأقاربك وأصدقائك فلن تراهم لفترة طويلة، وربما لن ترى بعضاً منهم أبداً بعد ذلك, إذهب إلى المطار بدون أن تنظر وراءك ثم استقل طائرتك، ولا تفكر كثيراً فيمن تركتهم ورائك. لا تخف من القشعريره التي ستنتاب جسدك عندما تنزل من سلم الطائرة وتكتشف انك أصبحت وحيداً في بلد غريب، وليس هناك وسيلة للعودة فهذه القشعريرة، قد انتابت ألوف وربما ملايين ممن سافروا قبلك.

ستجد من ينتظرك في المطار ليقلك الى مكان سكنك وسيقول لك بعض جمل الترحيب والطمأنه المكرره وسيجيب على تساؤلاتك المحفوظة بالنسبة له. ستشعر بالبروده الشديده في أولى لياليك في سكنك الجديد ثم ستخف هذه البرودة تدريجياً مع مرور الأيام والأسابيع وستعتاد علىها بل ستجد في هذه البرودة والوحده بعض الصفاء والراحه التي كنت تفتقدها في بلدك من جراء إضطرارك الى اللهث وراء مناوبه هنا أوهناك لتكمل المبلغ الذي سيكفيك لباقي شهرك.

لا تندهش عندما تذهب الى عملك الجديد من مستوى النظافه والإهتمام بالمكان ولا تتعجب عندما تجد أن كل الاجهزه والمستلزمات المطلوبه لعملك متوفره وبكثره وجميعها تعمل بدون أي اعطال فهذا هو الطبيعي في كل مستشفيات العالم والأهم أن لا تظهر اي علامات للدهشه عندما تتلقى نتائج التحاليل التي كانت تأخذ اسابيع كامله في بلدك في نفس اليوم مهما كانت كثيره او نادره أو عندما يعود لك المريض بصورة الأشعه التي طلبتها له مشفوعه بالتقرير المرافق بها بعد نصف ساعه على الأكثر من إرسالك للمريض وقد يكون مفيداً لك في هذه المرحله أن تتظاهر أن هذا هوا الطبيعي بالنسبة لك في مستشفاك الحكوميه التي كنت تعمل بها في بلدك حتى يعتقد من حولك أنك ستعتاد هذا النظام سريعا فهو مشابه لما عملت فيه سابقاً.

في أثناء ذلك ستلحظ تغيرات على شخصيتك وعلى تصرفاتك ستصبح أكثر هدوءاً وأكثر تركيزاً وأكثر قدره على تحمل الضغوط وإتخاذ القرارات الصحيحه في الوقت المناسب وستصبح أكثر تسامحاً ومراعاة لمشاعر من أمامك من المرضى بل ستكون حريصاً على التواجد في مواعيد عملك وأحياناً في غيرها للإطمئنان أو لإستكمال العلاج لأحدى الحالات الصعبه التي لديك , حينها ستتذكر أنك لم تكن أن تسطيع أن تكون بمثل هذا التسامح والتركيز في وطنك وأنت تجري من مستشفى الى أخر حاملاً معك حقيبة صغيره تحتوي ملابسك الضروريه وساندوتش فول وقطعه من الشيكولاته أو العصير كي لا تفقد وعيك من ساعات العمل الطويله أومن حرقة الدم نتيجة نقص الإمكانيات أو معاملة المرضى وأهاليهم السيئة لك.

ستجد في غربتك وقتاً كافياً للمذاكره أو لنيل بعض الشهادات الأجنبيه كالزمالات وغيرها أو حتى لقراءة ما تستفيد به في عملك من داوريات ومجلات طبيه وستستغرب من تقدمك العلمي المدهش ومن تأثيره على طريقة عملك وعلاجك لمرضاك  وستذهل من كم المرضى الذين وفقك الله في إنقاذ حياتهم أو على الأقل المحافظه على ما تبقى لهم من صحه بل وستفاجأ بأن من حولك يقدرون هذا الإجتهاد بل قد يصل الأمر الى ترقيتك أو حتى زيادة راتبك أو عرض آخر في مستشفى أكبر أو أفضل بدون أن تطلب أحياناً أو ستجد الفرصه بعد فتره للهجره لإحدى الدول الأوروبيه للدراسه أو للعمل في فرصه لم تكن حتى لتحلم بها وأنت تعمل في وطنك.

أما الصدمة الكبرى بالنسبة لك فستكون عندما تقبض راتبك كاملاً كما هو في عقدك بدون أن ينقص منه شئ كما كان يحدث في وطنك ليستثمرهذا الفرق لك الدببة السمان القابعين خلف مكاتبهم في ديوان عام وزارة الصحه في أرصدتهم في البنوك أو في شراء سيارات أحدث لهم أو حتى في تعليم أبنائهم في أغلى وأفضل المدارس وستكتشف أنه  هذا الراتب يكفيك ويفيض لتشتري بعض ماكنت تحلم به من رفاهيات الحياه أو ترسل بعضاً منه الى وطنك لمساندة أسرتك أو لدفع قسط لشقتك أو لعيادتك التي ستفتحها عندما تعود.

ستكون لك أجازاتك كما هي في عقدك وسيكون معك المال الكافي لقضائها في وطنك أو في إحدى الشواطئ التي ستنسى فيها تعب عامك كله وستشحن فيها طاقتك لعام جديد.

لا تنظر ورائك ولا تعود الى وطنك الا عندما يدرك هذا الوطن بشعبه بحكامه أن مصلحتهم الحقيقيه في معاملتك كما كنت تعامل بالخارج لتحافظ لهم على حياتهم وصحتهم كما كنت تفعل بالخارج.

الأن أيها الطبيب الشاب بعد أن قرأت كل هذا ماذا تنتظر ... إفتح جريدة الأهرام وإبحث عن فرصتك وإذا سألك مخلوق لماذا تريد السفر فأ نظر في عينيه بكل جرأه وجاوبه

..... ليس على الطبيب حرج

التعليقات
press-day.png