رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد أحمد فؤاد يكتب: الحاكم الإله.. والخطايا العشر!

 

الديكتاتورية هي بلا منازع العدو الألد لمعنى العدالة.. ولغوياً هي تعني الحكم المطلق، حيث تكون جميع السلطات محصورة في يد فرد واحد أو مجموعة واحدة، وهي كلمة مشتقة من من الفعل "ديكتاتوس" باللغة اللاتينية ويعنى فرض أو أمر أو إملاء.

وليس غريباً أن أنماط الحكم كافة على مدار التاريخ دأبت على التنصل من الديكتاتورية كوصمة، إما بآداء جاد نحو إرساء قيم العدل والمساواة، وهذا ما نجده فقط في المجتمعات المتحضرة التي تميزت بالاعتدال على مر العصور، أو على النقيض بمحاولات الالتفاف على المعنى الحقيقي للعدل والمساواة بإطلاق شعارات رنانة لا تحقق واقع ملموس لدى الشعوب المقهورة، وهذا من شأنه خلق أجواء متوترة تزيد المسافة اتساعاً بين الحاكم والرعية، وهذا النمط الأخير مع الأسف كان ومازال الأوسع انتشاراً في منطقتنا، حيث أدمن على ممارسته كثيرون ممن ظنوا أن الحاكم لابد وأن يكون ظل الإله على الأرض، تماماً كما كان الأمر سائداً في ممالك القرون الأولى..

مع نسائم الحرية التي تهب مع حلول يناير من كل عام، نستدعي هنا أحد نماذج الديكتاتورية الصارخة في التاريخ المعاصر هو الطاغية المبتسم حسني مبارك وحزبه "الوطني الديموقراطي"، وأحسبهم كانو أبرز مثال على التشبث بالحكم ومخصصاته من أساليب الرفاهية والجاه.. الجميع يعلم أن نظام مبارك كان وسيظل هو النمط الأسوأ لدينا من حكام القرن الماضي، ليس من حيث الأداء السياسي فقط، ولكن لما افرزته تلك الحقبة من كوارث مجتمعية قد يصعب حصرها هنا لضيق المساحة..  فقد حدث في عصره أن اتسعت الهوة الطبقية وتعاظم نمو العشوائيات بشكل غير مسبوق، كما غاب تماماً مبدأ الفصل بين السلطات بفعل وجود حاشية محترفة قامت بتطويع مؤسسات الدولة وقوانينها لتصنع من الحاكم صورة مفبركة للإله، ناهيك عن تراجع معدلات الحريات بشكل ملحوظ، والتضييق المستمر للمجال الفكري العام، وممارسة سلطة الحزب الواحد مما أدى إلى غياب التعددية الضرورية في الرأي، وبالتالي تراجعت أي فرص لتجربة ديموقراطية حقيقية..

اليوم، ومع اقتراب ذكرى ستة سنوات على سقوط مبارك و مجمع كهنته، أخشى أننا نقف عند مفترق طرق معقد للغاية.. فقد حكمت الظروف والمفارقات على كافة تجارب الحكم منذ ثورة يناير المجيدة 2011 بالعدم، إما بإفتضاح النوايا، أو بعدم توافر فرص حقيقية مكتملة نستطيع من خلالها حسم أي تقييم بمعايير سليمة.. والأمر لا يعني أبداً بتقييم الثورة كحدث شعبي متفرد ومقدار نجاحه أو فشله، لكنه يتعلق تحديداً بمطامع من خرج من المشهد مطروداً وها هو يحاول العودة إليه بصورة وقحة.. وكذا يعني أيضاً بطموحات شعب إعتاد الحصول على كل شئ بأقل تكاليف، ربما لأنه واكب عقود متتالية نعم فيها برفاهية الدعم المؤسسي السخي على حساب ربط الأجر والحافز بالعمل والإنتاجية، ناهيك بالطبع عن أفق معتكر لا يخلو من أهداف مبيتة لقوى استعمارية عاتية تمتلك من أدوات السيطرة ما يفوق قدرات أصحاب الحق والأرض..

في 30 يونيو 2013 وصل المد الثوري لأقصى مدى، حيث تلاحمت كعادتها في زمن الخطر قوى الشعب بأكملها أمام طغيان نظرية "أستاذية العالم" نواة عقيدة الإخوان المسلمين، تلك التي جانبها التوفيق دائماً في فهم التركيبة المصرية شديدة القداسة، والتي تتكون من كتلة وحدة وطنية أزلية تعجز كل محاولات فك رموزها..  حتماً لم يكن الأمر خالياً من ملامح صفقات سياسية مشبوهة، فتنظيم الإخوان المسلمين بكل ما لديه من طاقات وموارد تبدو مذهلة ومتدفقة، لم يكن ليستطع أن يتبوأ مقعد السلطة دون صفقة ما مع قوى أخرى محترفة ومستترة..! لكن دعونا لا نفتح هذا الملف إلى أن يبوح التاريخ بما لديه من أسرار، ولنلتفت فقط للأولويات ونركز على تنقية ملامح المستقبل من شوائب الماضي.. إن استبدال نموذج الحكم الإخواني بما لدينا حالياً لم يعكس بعد التغيير المرجو، وقد لا يمكن تفسير ما حدث إلا بكونه تبادل صوري لمقعد السلطة دونما حدوث أدنى تغيير يذكر في حال أمور الرعية التي يجب وأن تكون أول من يلمس شئ من التحسن أمام فواتير التغيير باهظة الثمن التي تحمل أعبائها المواطن البسيط دون غيره من فئات الإقطاع أصحاب السطوة من بقايا العصر البائد..

المحاولات الهزلية من صبيان السلطان وحاشية الحكم وجواسيس الدرك لفرض الأمر الواقع على الشعب وإجباره على التصديق بأن كل ما يحدث إيجاباً أو سلباً يصب في مصلحة الدولة ويجنبها مخاطر التقسيم والتمزق التي طالت الكثير من دول المنطقة قد تخطت بمراحل حدود المنطق، وربما أصبح من السخف الاستمرار في ترويجها أو حتى مجرد مناقشتها.. قد أتفهم هذا الأمر إلى حد ما من واقع متغيرات الخريطة السياسية للمنطقة، ومن واقع التحديات الاقتصادية القاسية التي تتطلب وعي شعبي تام بكيفية مجابهتها.. لكن يبقى أن يكون في المقابل إحترافية في إدارة الأزمات من قبل سلطات الدولة التنفيذية، وكذلك شفافية ومصداقية ورغبة رسمية حقيقية في التوعية وتقوية عزيمة الشعب، لا تغييبه عن الحقائق ومنعه من حقه الدستوري في المشاركة والاعتراض والرفض.. بل وتقديم مئات المبررات الواهية للإخفاق الوزاري في قطاعات متعددة كالتعليم والصحة والبيئة والأمن الداخلي، وأخيراً عبثية اجباره على التصفيق لما قد لا يستحق مجرد عناء الالتفات..!

خطايا عشر وقع فيها النظام الحاكم الحالي في مصر منذ صعود نجمه، وأظنها مهدت لنمو أنماط من المعارضة جاهلة وغير رشيدة، والتي وصل بعضها بفعل عوامل الجهل والفقر والقمع التعسفي لحد العنف الطائفي والجريمة الإرهابية المنظمة في حق الأبرياء.. السلطة تتصرف كما لو كانت سياسة رد الفعل هي كل ما تستطيع به مجابهة مخاطر المرحلة الحالية.. فلا توجد مبادرات جادة للإفصاح عن الحقائق وكأن المداراة هي الوسيلة والحيلة، والاختباء خلف منظومة الشعارات الإنشائية هو مخرج آمن للهروب إلى الأمام..  تلك الخطايا كفيلة بتقويض أي نظام حكم والخصم من رصيده في زمن قياسي بمعايير العصر الحالي، حيث نسبة الشباب الطموح المتطلع لأقصى درجات الحرية تفوق بمراحل أعداد الشيوخ داخل الأجهزة الرسمية للدولة ممن تقطعت بهم سبل الخروج من قوالب جامدة طالما عاشوا في كنفها مرفهين دون أي محاولة للتحديث ومواكبة العصر..

تأميم العمل السياسي والعودة للشكل البرلماني الهزلي والتدخل في شؤون القضاء خطيئة تعصف بمبدأ الفصل بين السلطات.

تضييق المجال الفكري العام، وتسييس دور المؤسسات الدينية لخدمة السُلطة خطيئة تؤدي إلى سقوط الدولة في دائرة الانقسام الطائفي.

تحديد طموحات الشعب في الوصول لحد الكفاف كحد أقصى لما تجود به السلطة خطيئة تقتل روح التنمية لدى القطاعات كافة.

عدم وجود توجه واضح لتطوير منظومة التعليم وتفعيل مناهج تطوير السلوكيات وتعظيم الإنتاج خطيئة تهدد أي تقدم أمام العشوائية المفرطة.

السياسات الاقتصادية الخانقة وأجواء الاستثمار الخاضعة لمعايير المحسوبية واعتماد مبدأ الاستدانة خطيئة تمنع الاقتصاد من تحقيق أي خطوات ملموسة.

الوصاية الأمنية العقيمة على كافة مؤسسات الدولة خطيئة تخلق أجواء من التوتر والعنف، وتوفر الفرص لنمو التنظيمات السرية.

الخطاب الديني المشوه وازدواجية الفكر وغياب الاستقلالية لدى رجال الدين والإعلام خطيئة تفسح المجال لكافة الأفكار المتطرفة للإنتشار.

عدم احتواء الشباب المعارض وتشجيعه بمنحه فرص حقيقية للتعبير عن الرأي خطيئة تتحول تدريجياً إلى قنابل موقوتة تنفجر في كل لحظة.

الصمت الرسمي أمام الفساد الواضح داخل أجهزة الإعلام الحكومي والخاص وانتهاكاتهم للخصوصية خطيئة ترسخ للتفكك المجتمعي وتنمي روح الانقسام.

عدم احترام الدستور وتفعيل بنوده الواضحة كأساس أوحد لسن القوانين خطيئة تعصف بمصداقية نظام الحكم وتطعن على شرعية قراراته.

تلك الخطايا العشر ما هي إلا ملاحظات على آداء مؤسسات الدولة وسلطاتها التنفيذية، وهي أمور لا يخطئها عاقل محايد مؤمن بوطنه، فحينما تتحكم العقلية الأمنية الرجعية في تشكيل البرلمان، بل وتديره من الداخل من خلال مندوبين للسلطة التنفيذية في ثياب نواب، ويتوافر لها على مدار عقود حق السيطرة الفعلية على النقابات والأحزاب، ويكون بيدها فقط ترقية أساتذة الجامعات وحق تشكيل إتحادات الطلاب والعمال، ثم ينتهي الأمر إلى مصادرة منابر الإعلام الرسمي والخاص بقوانين وضعية لا تتماشى مع بنود الدستور، فالحديث إذاً عن أي ممارسة للديموقراطية سيكون ضرب من الجنون..  فأين تكون إذاً التعددية الثقافية، وأين يكون العقل والتجديد والتجربة..؟

لن نتقدم كثيراً وهناك قبول ضمني من السلطة التنفيذية المسئولة عن تفعيل القانون متمثلة في مؤسستي الرئاسة والحكومة للأصوات التي تدفع بمقولة عجز الدستور وضعفه أمام التحديات الأمنية وعدم قدرته في صيغه الحالية على حماية الدولة.. هذا الهراء ما هو إلا صفعة لأي دولة مدنية حرة، ومع الأسف سيظل الأمر قائماً في ظل وجود مستفيدين من الوضع الحالي ممن يطلقون على أنفسهم مصطلح خبراء في الشؤون الأمنية والسياسية والاجتماعية والدينية، وما أحسبهم إلا عجائز في سن التقاعد لا يطيقون البعد عن دائرة الشهرة والأضواء..

صدماتنا المجتمعية الأخيرة في حادث الاعتداء الإجرامي على كاتدرائية المصريين الأقباط بالعاصمة، وتكرار حوادث استهداف نقاط التمركز الأمني وسقوط الضحايا الأبرياء بالعشرات من أبناء الشعب مدنيين ومجندين، ترجع أولاً لوجود خلل اجتماعي واضح نشأ في كنف عقول من أجازوا خلط الدين بالسياسة ودعموا بهذا الفكر المتشدد ذو المرجعية الدينية.. لكن هذا بالطبع لا يعفي الدولة من المسئولية عن التقصير المؤسسي وعن انتشار مسبباته داخل أروقة أجهزتها..  فحين يكون لسان حال بعض القيادات الأمنية ومسئولي الحكومة هو إصرار على الاستخفاف بالخصم وتحقير الأخر والانتقام من أي صوت معارض تحت شعار "المجد للحاكم الإله"، فحتماً  ماستتكشف العورات، وسيسقط هؤلاء أمام أول تحدي حقيقي لقدرتهم على الاستمرار..!   

كاتب حُر.

مؤمن بحقوق المواطنة وحرية المعتقد والفكر وحرية التعبير عن الرأي.

 

التعليقات
press-day.png