رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

د. هالة فودة تكتب: إنتوا فقرا قوي

لا أدري لماذا تبادر الي ذهني مشهد للفنانة أمينة رزق من فيلم العار وهي تقول: "العار في فقر النفوس مش فقر الفلوس" عندما شاهدت رئيس الجمهورية يعاير المصريين بفقرهم الشديد.. نعم نحن فقراء جداً.. فقراء للدرجة التي تجبر البعض علي الرحيل في قوارب بائسة جرياً وراء حلم الهجرة غير الشرعية وهم يعلمون أن أجسادهم قد لن تجد لها مستقر سوي قاع البحر، ومع ذلك يقدمون علي تلك المغامرة المميتة هرباً من حاضر يقتلهم في كل يوم مائة مرة.. فقراء للدرجة التي تدفع البعض للانتحار هرباً من مسئوليات لا يستطيعون الالتزام بها.. فقراء للدرجة التي أصبح معها البؤس والوجوم سمة للوجوه المصرية المعروفة ببشاشتها.

فقراء وفقاً لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة و الإحصاء الصادر في ٢٠١٦ والذي أشار الي أن ٥٧٪‏ من سكان الصعيد فقراء مقابل ١٩.٧٪‏ من سكان الوجه البحري، وأن نسبة الفقراء في البلاد عام ٢٠١٥ هي الأعلى منذ عام ٢٠٠٠ فقد بلغت ١٦.٧٪‏ في عام ٢٠٠٠، و صعدت من ٢٥.٢٪‏ في عام ٢٠١١ الي ٢٦.٨٪‏ في عام ٢٠١٥، و أن نسبة الفقر المدقع في مصر قد بلغت ٥.٣٪‏ من السكان في ٢٠١٥،  و أن ٣٠ مليون مصري تحت خط الفقر إذ يبلغ دخلهم اليومي أقل من دولار و نصف. و يُعَّرِف التقرير الفقر المدقع بأنه الوضع الذي لايستطيع فيه الفرد توفير الاحتياجات الغذائية الاساسية، و أن متوسط خط الفقر المدقع للفرد شهرياً يبلغ ٣٢٢ جنيهاً في ٢٠١٥.

فقراء وفقاً لدراسة أعدها المركز المصري للحقوق الاقتصادية و الاجتماعية تشير الي أن ٨٪‏ من السكان لا يحصلون علي خدمات صحية، و أن ٢١٪‏ لا يحصلون علي مياه نقية، و أن ١٢٪‏ من المباني بلا كهرباء و ١٥٪‏ بلا صرف صحي، بينما يبلغ عدد من يسكنون العشوائيات ١٢ مليون و ٦٠٠ الف نسمة و أن ٤٣٪‏ من هذه المناطق محرومة من الطرق الرئيسية، و ٤٨ ٪‏ محرومة من الصرف الصحي و ٥٠٪‏ محرومة من المياه النظيفة.

فقراء وفقاً لتصنيف معهد كاتو بالولايات المتحدة الامريكية لعام ٢٠١٥ حول الدول الأكثر بؤساً في العالم، فقد إحتلت مصر المركز الحادي عشر من حيث نسبة البطالة و معدل التضخم و الاقتراض و مستوي المعيشة. 

نعم.. نحن فقراء جداً.. فماذا فعلت الأنظمة والحكومات المتتالية للحد من الفقر و تحسين مستوي معيشة المصريين؟...

من تفريعة قناة السويس التي التهمت احتياطي الدولار حتي يخرج المشروع في عام واحد واحد بدلاً من ثلاثة...

إلى مشروع العاصمة الإدارية الذي رفض المستثمرون الإماراتيون تنفيذه فتم تكليف إدارة الهيئة الهندسية بإقامته...

إلى سياسات إقتصادية لا تنحاز للمواطن بل تزيد من إنحنائه أمام زيادات يومية في الأسعار و ارتفاع في مستوي المعيشة...

إلى سياسات رفع الدعم عن الخدمات الاساسية من كهرباء و مياه و غاز لا يقوي المواطنون علي سداد فواتيرها...

إلى رفع ملايين المصريين من بطاقات التموين التي كانت بمثابة الفتات التي يقتاتون عليها...

إلى سياسات تعويم الجنية و تحرير سعر الصرف و الزيادة المستمرة في سعر الدولار التي جعلت صغار رجال الاعمال و المستوردين ينضمون لطوابير البطالة...

إلى رفع أسعار الدواء و النقص الحاد في المستلزمات الطبية و الجراحية و كأن الحكومة تقول للمواطنين موتوا في صمت بلا دواء و لا علاج...

إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي بشروط مجحفة تزيد من فقر المواطنين و تثقل كاهلهم لأجيال عديدة بالديون...

و في ذات الوقت تحيل الحكومة للبرلمان طلباً بالموافقة علي زيادة مرتبات الوزراء و مخصصاتهم..

و يصدق الرئيس علي زيادات دورية في معاشات العسكريين ومرتبات الجيش و الشرطة..

وتبيع الحكومة جزءاً غالياً أرض الوطن مقابل بضعة ملايين من الريالات...

ويحاكم كل من يجرؤ علي رفع صوته بالحديث عن الفساد و الرشاوي في الحكومة و كل من يدافع عن مصرية الارض...

نعم.. نحن فقراء جداً.. فقراء بمن يحكمونا و بإفتقارهم لأي رؤية سياسية.. فقراء بحكوماتنا المتتالية العاجزة عن الدفع بأي إصلاحات حقيقية في إقتصادنا المتهالك.. فقراء بنظام حدثنا عن اللمبة الموفرة و عربات سوق الخضار كحلول لمشاكل الغلاء و البطالة ثم تبدلت الوعود و لغة الخطاب في ستة أشهر الي "إنتوا فقرا قوي" و "قبل ما تسألوني قولولي أنتم عملتوا إيه"؟ 

نعم.. نحن فقراء جداً.. فنحن لا نمتلك شيئاً و من يحكمونا أيضاً لا يمتلكون سوي سياسات لا تتسم بأي حكمة و لا تضع المواطن علي رأس أولوياتها بل يمارسون ضده سياساتهم القمعية و الاقتصادية الفاشلة لإجهاده و تزييف وعيه.. سياسات إفقار و مشروعات بونابارتية تلتهم مليارات من العملة الصعبة من ميزانية الدولة كما تلتهم - في سبيل مجد زائف و إنجازات وهمية- شرائح من المجتمع تتآكل بسبب الغلاء الطاحن الذي صنعته أيديهم.. نحن فقراء و هم أيضاً لا يمتلكون حلاً لأزماتنا سوي صندوق يجمعون فيه مدخرات المصريين المؤمنين بدورهم الوطني ربما أكثر من إيمان الحكومة ذاتها بمسئوليتها، صندوق يضعون فيه حلق الحاجة زينب و جنيهات التلاميذ المعدودة و أموال الزكاة و الاتاوات التي يفرضونها علي الأغنياء و رجال الاعمال ثم لا نعلم فيما ينفقونها... إلا أنهم مستمرون في التمسك بسلطتهم مستنكرين علينا حقنا حتي في أن نسألهم أو نجرؤ علي التفكير في محاسبتهم. و كيف لنا أن نسأل؟ أنسينا أننا نحن الفقراء ليس من حقنا السؤال؟!

التعليقات
press-day.png