رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

د. محمد محفوظ يكتب: التخدير السياسي.. الاسم/ سلطة.. والوصف/ مزاجنجي

أصبحت انحيازات السلطة في مصر معروفة ومختبرة .

سلطة لا تنحاز للديمقراطية، ولا تنحاز للحقوق والحريات اقتصادية كانت أم اجتماعية أم سياسية أم مدنية. بل وتستخدم فزاعة الحرب على الإرهاب وفزاعة المؤامرة الكونية لتبرير حصارها لهذه الحقوق والحريات وتأجيلها، أو تسطيحها لأي استحقاقات ديمقراطية .

بالمختصر المفيد، هي سلطة انحيازها لذاتها وليس لشعبها، وانشغالها ببقائها ونفوذها وليس بالتزامها بمسئولياتها .

ولذلك ينبغي التعامل مع هذه الانحيازات الكارثية المستمرة المعلنة المشهرة المستقرة باعتبارها ماركة مسجلة ؛ استحقتها هذه السلطة بتجاوزاتها وانتهاكاتها للدستور والقانون .

ومن ثم ، لا يستقيم الانسياق وراء التصور بأن سلطة هذا حالها يمكن - في موجة كرم أو فورة عشم - أن تتبدل كل انحيازاتها .

المنظور السليم يقرر بأن أي " تحولات " تتمثل في صورة ممارسات أو مقولات، تخرج فيها سلطتنا "ريما" عن عاداتها القديمة ما هي إلا مناورة. نعم مناورة تفرضها تكتيكات الخداع والمحايلة والمسايرة وليس إستراتيجية الرُشد والمراجعة، ومن ثم سرعان ماتعود ريما بعدها لعاداتها القديمة وسوءاتها المزمنة .

وتتمثل تحولات سلطتنا "ريما" في عدد من الممارسات أو المقولات التالية:

- الصحوة المفاجئة لهيئة الرقابة الإدارية في كشف قضايا الفساد .

- العفو الرئاسي عن بعض المحبوسين على ذمة قضايا تتعلق بالتظاهر أو حرية الرأي والتعبير .

- المؤتمر الشهري للشباب الذي ينتقل من محافظة لأخرى .

- اللفتات العاطفية للرئيس السيسي التي تبدأ من لمعة العينين بالدموع، مروراً بتقبيل الرؤوس، وصولاً إلى تشريب المياه لسيدة مسكينة بالطريق .

- التعديلات الوزارية العبثية التي تستبدل الأسماء والوجوه، ولا تتغير معها السياسات.

- الفقاعات الهوائية التي تروج لمقولات قد تبدو صريحة على غير العادة ولكنها ممزوجة بإضافات خادعة وخزعبلية مثل: "الحكومة بطيئة كالسلحفاة قياساً بالرئيس الذي ينطلق بسرعة الصاروخ" - "كل اللي حواليه وحشين بس الرئيس كويس".. وهكذا يتم خلط الأكاذيب المريرة بحقائق مريرة لضمان سهولة تصديقها .

ومن نافلة القول أن تلك الممارسات أو المقولات التحولاتية، تتناقض بصورة حادة مع الممارسات والمقولات الاعتيادية لسلطة لا ترعى حرمة المال العام إهمالاً أو إهداراً أو فساداً. ولا تؤمن بالحقوق والحريات نظرياً أو عملياً. ولا تنم سياساتها الأمنية أو الاقتصادية أو الاجتماعية إلا عن قسوة وعنت واستكبار واستهتار. ولا تشير نتائج سياساتها إلا لقدرات عقلية وعملية محدودة ومتواضعة ومتدنية لكل مسئوليها بدون استثناء.

من هذا المنظور، لا يمكن التعامل مع أي تحولات قد تبدو خارج السياقات المستقرة والمكررة باعتبارها فتح ديمقراطي أو سبق حقوقي حرياتي، بل ينبغي التعاطي معها بوصفها مجرد مناورات تسعى إلى ما يمكن أن نطلق عليه: التخدير السياسي، وذلك بهدف امتصاص الغضب المتراكم نتيجة السياسات الفاشلة والإصلاحات الغائبة والأزمات العبثية المتوالية، التي اكتملت بقرض صندوق النقد الدولي وما رافقه من تعويم للجنيه انخفض بقيمته وارتفع بأسعار كل السلع والخدمات.

ولعل خبرات التاريخ المحزنة تثبت بأن أي سلطة فاشلة لا تبذل جهداً ولا تستنفر عزماً إلا للتغطية على فشلها والتعمية على تدني قدراتها . ولذلك تبدو أساليب "التخدير السياسي" من وجهة نظر هذه السلطة بكل أجهزتها ملائمة جداً لتشتيت موجات الغضب الصاعدة وإبطاء نمو جذور الاحباط الهابطة .

ورغم أن الكبرياء السياسي يجعل أساليب التخدير السياسي تبدو بالنسبة لكثير من السياسيين والناشطين بمثابة ألاعيب مكشوفة ومماحكات مفضوحة لا ينبغي التهويل من آثارها .

فإن اللامبالاة السياسية لدى قطاع واسع من غير السياسيين تؤدي إلى الاستخفاف بهذه الأساليب التخديرية ، باعتبارها مجرد تعميرة إضافية تُضاف لحجر الشيشة الذي لا يخلو من المخدرات التقليدية .

ولكن رغم كبرياء السياسيين أو لامبالاة غير المسيسين ، فإن ثمة " مضاعفات " تنتج عن أساليب التخدير السياسي ، بما يجعلها تحقق آثارها أو تصيب أهدافها ، أو على أقل تقدير تؤدي إلى تشويش المشهد وتشتيت التركيز لدى أطرافه التي كانت يمكن أن تكون فاعلة .

وتتمثل هذه " المضاعفات " في المظاهر الآتية :-

١- الاسترخاء أو الركود السياسي: فأساليب التخدير السياسي تنشر بالمجتمع انطباعات كاذبة بضرورة تهدئة وتيرة اللعب السياسي ، رداً على التهدئة الصورية التي تمارسها السلطة. الأمر الذي يؤدي إلى حالة من الاسترخاء أو الارتخاء السياسي ، وسيادة مناخ راكد سياسياً تفقد فيه السياسة حيويتها وتحفزها واستنفارها .

٢- ميوعة الخصومة أو المعارضة : فمع استمرار مناخ الاسترخاء والركود السياسي ، تفقد الخصومة السياسية موجبات حدتها وعلو نبرة صوتها ، وتصيب المعارضة السياسية ميوعة جيلاتينية تنال من هيبتها وتزرع بداخل بنيانها ليونة تعصف بصلابة عودها وثبات مسارها .

٣- تشجيع المتلونين أو المذبذبين : فسرعان ما يؤدي الركود السياسي وميوعة المعارضة إلى تشجيع المتلونين على إظهار جلودهم الحربائية التي تتلون وفقا لأهواء السلطة ، وفتح الطريق للمذبذبين لإعلان تبرؤهم من المعارضة . الأمر الذي يثير الفرقة والانقسام داخل الساحة الحزبية ، ويخلق حالة من التناحر داخل كل حزب تعصف بترابط صفوفه . وبدلاً من الشقاق مع السلطة تنشق المنظمات السياسية على نفسها أو ينشأ الشقاق فيما بينها .

٤- ترسيخ الاستقرار الزائف : حيث تؤدي حالة الاسترخاء السياسي والميوعة السياسية وانشغال القوى السياسية بالتذبذبات والتلونات الحربائية إلى ترسيخ حالة من الاستقرار الزائف المغشوش ، لتختفي مظاهر الغضب وأمارات الانهيار والتردي تحت هذا الغطاء المموه والقناع الكاذب .

٥- ابتزاز الشرعية الدولية : ولذلك سرعان ما يؤدي هذا الاستقرار الزائف إلى ابتزاز النوازع البراجماتية لدى القوى الدولية الباحثة عن مصالحها في لعبة السياسة وكعكة المنافسة الاقتصادية العالمية . الأمر الذي يكتسب بموجبه أي نظام فاشل فاسد مستبد شرعية دولية نتيجة حسابات المصالح وليس حسابات المبادئ والمُثل والقيم الإنسانية العالمية .

.. تبدو إذن أساليب التخدير السياسي قادرة على تحقيق كل الآثار المترتبة على تعاطي المواد المخدرة طبيعية كانت أم تخليقية .

فبينما يتم تصنيف المواد المخدرة إلى :

مواد مثبطة " مثل الحشيش " - مواد منشطة " مثل الهيروين " - مواد مهلوسة  " مثل " حبوب الفيل الأزرق " .

فإن أساليب التخدير السياسي هي الأخرى وبالمثل تتفاوت آثارها ، بدءاً من الآثار المثبطة التي تؤسس للاسترخاء والركود والميوعة السياسية ، مروراً بالآثار المنشطة التي تحفز  على التلون والتذبذب السياسي ، وصولاً إلى الآثار المهلوسة التي تفجر ضلالات وأوهام الاستقرار الكاذب ، وانتهاءاً بفتح الباب لغسل أموال بارونات المخدرات السياسية في العواصم العالمية لابتزاز وشراء الشرعية الدولية .

وللأسف ، رغم خطورة مضاعفات التخدير السياسي باعتبارها تغلق الباب أمام موجبات التغيير السياسي . إلا أنه لا توجد برامج للعلاج من إدمان المخدرات السياسية ، ولا توجد قوانين لعقاب طباخيها ومروجيها .

ولذلك لا سبيل لمواجهة التخدير السياسي إلا من خلال يقظة التيارات السياسية المعارضة والنخب الفكرية الرائدة ، لكي تقوم بدورها في ممارسة الكشف والفضح لهذه الأساليب ولا تستسلم لمضاعفاتها ، فتترسخ مناعة لدى المنتسبين لها سياسياً أو فكرياً ولدى الشرائح المختلفة من الشعب ، تحول دون دخولهم في دائرة المسطولين والشمامين والمهلوسين .. سياسياً .

وأما عن أية سلطة تجعل من أساليب التخدير السياسي الوسيلة والاداة المعتبرة لممارسة الحكم ، فمن المشروع سياسياً أن تُدرج في قوائم " المسجلين مخدرات سياسية " ، تحت عنوان : الاسم / سلطة .. والوصف / مزاجنجي .

*****

dr.mmahfouz64@gmail.com

التعليقات
press-day.png