رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

محمد أحمد فؤاد يكتب: الإغتيال.. وحروب تصفية الرؤوس!

هل تجرؤ دولة عظمى على تصفية دبلوماسيين على أرضها مهما كانت الأسباب؟ أم تُراها تكتفي بطردهم بشكل قانوني أو استعراضي من أجل توصيل رسالة معينة..؟  سؤال مُحير، وقد تتعذر إجابته في الوقت الحالي نظراً لإرتباك المشهد السياسي في العموم.. التاريخ يشي بأن قتل السفراء والرسل كان وسيظل من أشنع الجرائم على مر العصور، بل أن البعض سَوَّى بينه وبين إعلان حالة الحرب بين كيان وأخر، والأمر في صوره الحالية لا يعدو كونه مجموعة حروب وفتن وخلافات مشتعلة بين أساطين الاستعمار من الدول العظمى، لكنها بالطبع غير معلنة بشكل رسمي..

 الاغتيال اصطلاحياً يعني جريمة قتل متعمدة تستهدف شخصية مهمة ذات نفوذ وتأثير فكري أو سياسي أو عسكري، وعادة ما يرتكز الاغتيال في صورته الانتقامية على خلاف عقائدي أو سياسي أو اقتصادي.. وهو ليس بالضرورة تصفية جسدية لشخص أو مجموعة فقط، فهناك أنواع من الاغتيال المعنوي إصطلح عليها، تقوم بها مؤسسات عملاقة أو حكومات ودول وأفراد ذوي سطوة، كإغتيال الفكر، وإغتيال البراءة، وإغتيال الحريات، وما على هذا النحو المجازي تعبيرياً.. وسياسياً، من الصعب وضع تعريف دقيق لعملية الاغتيال بوصفه جريمة، حيث أن بعض الجهات المنظمة له قد تعتبر أنه يندرج تحت الأعمال البطولية أو الضرورات الحتمية، هذا بصرف النظر عن الأسباب والدوافع، وبدون التوقف كثيراً أمام النتائج والتبعات الحقوقية والاجتماعية المترتبة عليه..

وقد يعاني من يقوم بعملية الاغتيال من ضغوط متعددة تدفعه للقيام بالجريمة، فيقع مثلاً تحت طائلة عملية غسيل دماغ ممنهجة يقف وراءها محترفون، حيث يكون هو نفسه عرضة لاضطرابات نفسية تولد لديه أحقاد ذات مردود لحظي عنيف، فيتم استغلالها وتعبئتها بشكل تدريجي حتي يصل للذروة التي تدفعه للتنفيذ، ثم ينتهي الأمر إما بالنشوة أو الانهيار لحظة القيام بها.. لذا سيظل أشد وأسوأ أنواع الاغتيال هو النوع الممنهج الذي يتم بتخطيط مُسبق ويتم تنفيذه بدم بارد على شاكلة القنابل البشرية التي انتشرت مؤخراً في شكل إنتحاريين أو قناصة مرتزقة وقتله محترفون..

وأقدم استخدام للمصطلح إغتيال يعود للعام 1605م.. حيث ظهر للمرة الأولى على المسرح في رواية ويليام شكسبير الشهيرة "ماكبث"، لكن هذا لا يعني بالضرورة تأريخ الاغتيالات السياسية بظهور هذا العمل، فقد شهد العالم العديد من حوادث الاغتيالات التي قامت على إثرها حروب وفتن غيرت من معالم التاريخ..  ومن أشهر حوادث اغتيال الرسل كان اغتيال الصحابي الحارس بن عمير الأزدي مبعوث النبي محمد (ص) إلى ملك بُصرى، فقد اعترضه شرحبيل بن عمرو الغساني القائم على البلقاء من قِبل قيصر الروم، وأوثقه رباطاً وقتله بضرب عنقه بعد أن علم بمضمون رسالته.. وقد نشبت على إثر تلك الحادثة معركة من أهم المعارك المصيرية بين المسلمين والرومان وهي معركة مؤتة التي غيرت موازين القوى الاستراتيجية بمعايير هذا الوقت، على الرغم من إنها انتهت بإنسحاب وفض اشتباك تكتيكي بارع من خالد بن الوليد، وليس بهزيمة أو نصر..!

توالت فترات الصراعات السياسية بين القرنين السابع والسابع عشر الميلادي، حيث تبلورت نوعاً التركيبة الاستعمارية حينها وبدأت معها عمليات تقسيم مناطق النفوذ.. وعَرِفَت المنطقة الواقعة بين أسيا الصغرى وأوروبا منافسات وصراعات كان أبطالها هم العباسيون والأيوبيون والسلاجقة والصليبيون، حتى إنها باتت لا تخلو لسنة واحدة من صراع دموي قائم على أحد تخوم تلك الممالك.. ومن الشخصيات لشهيرة التي ارتبط اسمها تاريخياً بمسألة الاغتيالات كان حسن بن صباح، أو حسن بن علي بن محمد الصباح الحميري 1037 : 1124م، الملقب بالسيد/ أو شيخ الجبل..  ولد ومات في بلاد فارس، وقد قام بتأسيس ما يعرف بالدعوة الجديدة أو الطائفة الإسماعيلية النزارية المشرقية.. وفي الرواية الأوروبية إصطلح على تسمية طائفته الحشاشون أو الباطنية.. كان حسن بن صباح معارضاً وعدواً شرساً للأتراك السلاجقة ودخل معهم في حروب عصابات طويلة الأمد، وارتكب العديد من عمليات الاغتيال بحقهم، وكان قد اتخذ من مكان جبلي وعر يبعد 100 كم عن طهران يُدعى "قلعة الموت" مخبأ وملاذ آمن له ولرجاله.. وكان من أوائل العقول المدبرة للإغتيالات المنظمة ضد ملوك وقادة جيوش ورجال دين، واستمرت عملياته ومن بعده رجاله حتى احتل المغول بقيادة هولاكو قلعة الموت عام 1256م، وقُضي عليهم بتصفية ركن الدين خورشان أخر قياديين سبعة حكموا بعده..

استدعت تصفية السفير الروسي أندريه كارلوف في تركيا مؤخراً لدي هاجس قوي تجاه مغزى الجريمة..  ولا أدري إن كان يجوز الربط بين المكان والزمان، وبين علاقات أقطاب الاستعمار التي تتجه حالياً وبشكل مخيف نحو مساحة يكتنفها الغموض في زمن تسمو فيه وتيرة المؤامرة والغدر، وتتسيده المصالح وتوازنات القوى العسكرية، وأيضاً تصعب فيه التكهنات بما سيكون..؟   الجريمة بشعة، ومنفذها رجل أمن محترف يبدو أنه كان يعي تماماً ما فعل وقال، وللعجب قد تمت تصفيته مباشرة في مكان الحادث فمات معه السر..! لكن لشديد الدهشة (وربما ليس المصادفة) فقد تم بث وقائع الجريمة تليفزيونياً وكأنها مقطع وثائقي ليشهدها الملايين في جميع أنحاء العالم، وكأنها الأمر هو رسالة إنذار موجهة عن عمد..! اغتيال السفراء عادة تكررت كثيراً خلال العقود الخمس الأخيرة، خصوصاً مع بداية الحرب الباردة ونهاية المواجهات العسكرية الدامية بين قوى الاستعمار.. ففي مقابل أندريه كارلوف السفير الروسي خسرت الولايات المتحدة وحدها ستة سفراء في حوادث اغتيالات متعددة.. جون جوردان ماين جواتيمالا 1968، وكليو نويل السودان 1973، ورودجر دافيز قبرص 1974، وفرانسيس ميلوي لبنان 1976، وأدولف دابس أفغانستان 1979، وأخيراً كريستوفر ستيفنز ليبيا 2012..!

تُرى هل كان باراك أوباما الذي غادر الساحة مؤخراً قديساً أو رجلاً رحيماً نظيف اليد من تجارة الدماء والبارود ليكتفي بطرد 35 دبلوماسياً روسياً دفعة واحدة في مشهد غير مسبوق..؟  أم تُراه كان ينصب فخاً لخلفه الأشقر غريب الأطوار دونالد ترامب ليورطه بهذا القربان السمين خلال معارك المستقبل المتوقعة..؟  الثابت أن وجبات السياسات الأمريكية يتم إعدادها وبعناية فائقة جميعاً داخل مطبخ الكونجرس، على أن يتم تقديمها بواسطة نادل محترف غالباً ما يكون هو رجل البيت الأبيض..!  وبحسابات ما قد يكون، وفي ضوء حروب تصفية وتشويه الرموز إما جسدياً أو معنوياً، تأتي حتماً التساؤلات عن غرابة مشهد انتقال السلطة الأخير، والذي خرج في شكل ربما هو الأكثر استعراضية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية..  هل كانت مراسم خروج أوباما التي اقترنت بإهانات عنصرية لحقت به وبأسرته وبحزبه هو أمر متعمد لإعداد الرأي العام العالمي لتقبل الرسائل الفاشية التي تصدر يوماً بعد يوم عن رجل البيت الأبيض الجديد..؟ أم كان هذا مجرد رد مبكر على تعمد أوباما بصفته ممثل للحزب الديموقراطي الخاسر في الجولة الأخيرة محاولة فتح ثغرة في جدار الجمهوريين لتوريطهم في أزمات دبلوماسية قد تضعهم في دائرة الحرج، ومن ثم تعطلهم نوعاُ عن ترتيب أوراق تم بعثرتها عمداً وببراعة على طاولات الصراع فتكون فرص العودة بقوة سانحة في الجولات القادمة، أو حتى قبل نهاية الاستحقاق الحالي..؟

الخط السياسي لتحالفات العم سام مؤخراً لا شك وأنه تبدل كثيراً.. فهو يبوح بتقارب مشوب بالحذر مع بريطانيا العظمى التي تستعد لمغامرة بريكست، وأيضاً يُبدي وجه جديد للعلاقة مع الدب الروسي الذي أثبت انه خصم عنيد وصعب المراس حتى في أشد الظروف صعوبة.. أوروبا العجوز منهكة، ويحاصرها شبح الانقسام من جميع الجهات.. وأبطال الحروب بالوكالة يستعدون الأن لتقاضي الأتعاب والحصول على الترقيات بعد أن أنهكتهم مواجهات قاسية أحسبها أعادتهم جميعاً للتدثر بعباءة الغرب الاستعماري صاغرين..  وفي هذا، إذا ما كان أحد الأهداف غير المعلنة هو تفكيك الاتحاد الأوروبي بصفته أخر معقل قوة ذات شأن ونفوذ استعماري تنافسي، فهذا الأمر قد يحدث دوي رهيب يكون من شأنه إعادة تشكيل ساحات الصراع إلى ما كانت عليه قبل الحرب العالمية الأولى.. فتفكيك أوروبا بعد الوحدة ليس بالأمر السهل، وحتماً سيكون باهظ التكاليف والتبعات.. وعلى الجانب الأخر نرى طاولة الشرق الأوسط وقد ترهلت وخضبتها دماء كثيرة ليس من السهل تجاوزها.. لذا ومع الأسف، ربما سيشهد العالم مزيد من جولات التوتر والعنف، وستشتعل معها بالطبع وتيرة الأحقاد والتطرف التي قد تصل إلى حروب تصفية الأنظمة والرؤوس الكبيرة..!  

التعليقات
press-day.png