رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

رائد سلامة يكتب: الديكتاتور

دائماً ما يستخدم أجهزة يعرقل بعضها عمل بعض لأنه يسودها جميعاً من خلال التفريق بينها، وهو يهتم بذلك من منطلق أنه أدري بأعدائه أما أصدقائه وحوارييه فلهم منه الخوف ثم الحذر والإرتياب..هو يجيد استخدام البيروقراطيين الأوتوقراطيين بألا يصنع – حتي - حلقة من المُقَرَبين لأن الحلقة دوارة وبها مساحة للمناورة تمنح فُرصاً للإقدام والارتداد بما يتيح للمجتهد منهم - سواء كان اجتهاده مُستَحَقاً أو كان غير ذلك- أن يقترب من القطب في المركز، لكنه يصنع مساراتٍ متوازية لا تتقاطع لإتخاذ القرارات وهي تكون في الأغلب متنافسة ليظل الحسم نهائياً بيده هو وحده، فهو القادر علي ذلك بفعل قدراته التأثيرية الخارقة وبفضل الحكمة والإلهام اللذين منحهما الله له وحده.. نعم. .و لِمَ لا وهو الحكيمٍ نافذ البصر والبصيرة، المُلهَم الضَرورة والقائد المهيب صاحب نظرة العينِ التي تكفي دون كلامٍ للتوجيه ومن ثم صُنع مسار أُمة بأسرها ورسم طريق مستقبلها..

ياللهول! لهذا يختار الديكتاتور معاونيه من محدوي الموهبة وأنصاف المثقفين وربما الجهلة ممن هم أدني منه حتي يسهل عليه تسييرهم فيما يراه مناسباً لتوطيد دعائم دولته. ولهذا فقد يتعجب المرء مُتسائلاً كيف لا يكون شخص ما مشهود له بالكفاءة والسمعة الطيبة مسئولاً بينما يشغل من هم أدني منه مقاماً وحكمة وأقل منه جدارةً أرفع المناصب.

والحق أنه لا مجال للعجب، إذ لا يمكن للديكتاتور أن يعمل مع أذكياء أغزر منه علماً وأكثر منه قدرةً علي الإنجاز الذي تتسق خطط إنفاذه مع ما يؤمنون به من أفكار، فهو يريدهم محايدون بلا ملامح، لا توجه لهم ولا رؤية حتي يسهل عليه الوقيعة بينهم فلا يخرج من بينهم من ينقلب عليه. وفي سياق الحذر يضيف الديكتاتور -خاصةً إذا ما كان ديكتاتوراً صغيراً- عنصراً آخراً يختار رجاله بناءاً عليه، وهو التناقض الحاد بين نظرتهم له شخصياً ونظرتهم للمجتمع الذي يحكمه، فَتَرَاهُ يحرص تمام الحرص علي اختيار رجاله ممن يرونه -عن اقتناع أو حتي عن تزلف- معصوماً لا ينطق عن الهوي فيتعاملون معه بِذُلٍ و ضِعَةِ بينما ينظرون-في نفس الوقت- للمجتمع -الذي أتي هو نفسه من بين أفراده- ككتلة صماء من الجهلة و الدهماء فيتعاملون معه (المجتمع) بتعالٍ و إستكبار..هكذا يختار الديكتاتور رجاله و هكذا يرون هم أنفسهم: أضعف من الديكتاتور و أقوي من المجتمع/الشعب.

وبنفس المنطق، يدخل الديكتاتور الصغير -علي وجه الخصوص- في تحالفات بائسة مع قوي المجتمع "الخاملة" المُترددة الخائفة دائماً من شيئٍ ما والتي تحمل توجهات مُتضاربة - وإن جَمَعَ الخمول والخوف بينها- مُوهِما كل منها بالمساندة والدعم بميزانِ حسابٍ دقيق يضمن بموجبه ألا تتفوق أحدها علي الأخري فيظل مُمسِكاً بخيوطٍ يحركها بها فيضرب بعضها ببعض كيفما يشاء وحين يريد في الوقت الذي يحرص فيه علي تفتيت قوي المجتمع "النشطة" الحاسمة الجريئة فيُضعِفُها و يشتت إنتباهها في معارك فرعية تستنزف كل جهدها مما يَحُول دون تجَمُعِها و يمنع تلاقي مصالحها. تراه حريصاً جداً علي مُغازلة من يكرهون الآخر و يحتقرون الديمقراطية -التي ترتكز علي عماد المساواة والقبول- وسط دعاوي تهويمات فكرية متهافتة عن حتمية نبذ الإختلاف الذي يمثل -في جوهَرِهِ- طبيعة الأشياء وسُنة الكون في محاولة منه للحيلولة دون صيرورةٍ تاريخية واجبة بما يؤدي في نهاية المطاف إلي جمود لا يلبث إلا وقد تحول إلي حالة من التخلف الحضاري يعيش المجتمع بمقتضاها خارج دائرة التاريخ يلهث وسط دخان الخرافة قانعاً بما يُقذَف له من الفتات راضياً بما ابتُلِي به من مرض و حاجة مُختَزِلاً كل طموحاته في مجرد أن يأكل و يشرب و ينام و يتناسل داعياً ربه أن يرزقه جناتُ نعيمِ ما بعد الحياة التي تتحول لديه إلي عبء يستعجل الخلاص منه مُؤجِلاً آماله وأحلامه إلى ميعاد لا يعلمه إلا العَليُ القدير.

لا يشعر الديكتاتور الصغير -علي وجه الخصوص- بكيانه و سطوته إلا وسط مجتمع يبدو علي السطح متماسكاً بينما هو في القلب مُهلهل طبقياً ومُجَهَل فكرياً ومُنهَك صحياً وفقير مادياً لا يقيم لمفاهيم المواطنة أي وزن ولا يعي لقيمها أي فضل في ظل غَلَبة الصوت الواحد.. صوته هو فقط.. ليترك -حين يُغادر- نظاماً سياسياً مُهترِئاً وتركيباً اجتماعياً هَشَاً ومؤسسات دولة علي حافة الإنهيار ليكون الطوفان من بعده.

 

التعليقات
press-day.png