رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد أحمد فؤاد يكتب: التاج والعمامة.. من يخشى الآخر؟

في بورصة حياة الأمم، لم يخفق كُتَّاب التاريخ ولو لمرة في رصد العلاقة السرمدية بين الحاكم ورجل الدين، ففي الممالك القديمة نادراً ما استتب حكم ملك ما دون تأييد ومساندة من رجال الدين والكهنة جعلت منه رمزاً مقدساً وظلاً للإله على الأرض.. استوعب أغلب الملوك هذا الدرس جيداً منذ البدايات الأولى، فرجل الدين هذا الداهية العبقري يستطيع في لحظة تطويع النصوص والأفكار والمعاني لتسمو بالحاكم لأعلى مراتب القدسية.. وهو أيضاً من يملك حجية الدفاع عن إخفاقاته وهفواته، حيث يرجعها ببساطة إلى غضبة الألهة التي نادراً ما تهدأ حتى يعترف العوام بخطاياهم وجرائمهم المتكررة في حق الإله، فيخر الجميع سجوداً أمام ظله على الأرض، ويقدموا العطايا والقرابين صاغرين طمعاً في رضاه وغفرانه.. ولنا في كهنة أمون في مصر الفرعونية المثال الأكثر حضوراً لسطوة رجل الدين، الذي كان دائماً شخص من طراز خاص، يخشاه العامة ويطلب وده الملوك والنبلاء، وله من الوقار والاحترام الكثير حيث أنه ممثل المعبود والقريب منه وصاحب شرف القيام على خدمته...

وقد كان الكاهن في الممالك القديمة إلى جانب دوره الديني، هو الطبيب والفلكي والمهندس والساحر والأديب والقاضي، والأهم بالطبع أنه مسؤول الفتوى والتشريع.. لذا كانت سطوته مرتبطة دائماً بقدرات فائقة على التحكم السيطرة وتوجيه العامة لدرجة قد تصل إلى سلب تام للإرادة بحجة تنفيذ ما تريده الآلهة والأرباب.. أما في العصور الوسطى، فقد تبدل المشهد قليلاً.. حيث أصبح الكاهن أو رجل الدين أعلى سلطة من الحاكم بواقع مهامه التي تباشر الجانب الروحي والجسدي للمجتمع، ففي القرن الحادي عشر الميلادي نجح البابا جريجوي السابع 1015 : 1085 في جعل الكنيسة كيان مستقل قانونياً وسياسياً داخل المسيحية الغربية، الأمر الذي أتاح لها من ذلك الحين قوة محسوبة ونفوذ طاغي داخل المجتمع الغربي، وكانت التشريعات الكنسية والتعاليم الروحية التي صاغها رجال الدين هي القانون النافذ الذي امتد تأثيره داخل الحياة الاجتماعية وتغلغل حتى داخل السلطة القضائية وأيضاً داخل أروقة بلاط الحكم..  لكن جريجوري السابع ومن على شاكلته ممن تبعوه بالطبع لم يتطلعوا تجاه السُدة حيث يعلمون جيداً أن البلاط الملكي والعرش تدور حولهم الأعين وتُحاك الفتن والمكائد.. لكن للمحراب خصوصية وهيبة ومنعة، فهو دائماً المكان الآمن حيث السيطرة والثروة والدفئ والتدثر بقداسة غالباً ما كانت زائفة..

رجال الدين في العصور الوسطى تسلطوا وطغوا حتى وصلوا لمرحلة التفتيش في الضمائر والعقول والحجر على الأفكار، وحكموا بالتكفير والحرق والإبادة على كل من خالفهم أو عارضهم.. لذا كانت خشية الملوك والأباطرة من سطوتهم تفوق بكثير حرصهم على مصالح الرعية والاهتمام بشؤونها.. وقد تحتم مع هذا أن يكون هناك توافق في التوجه وعدم تضارب في المصالح بين الطرفين، بالطبع على حساب الشعوب..

اليوم، وبعد سنوات ستة من عمر ثورة لم تنتهي سطورها بعد، وها هي قد كُتب لها أن تتعثر في أشلاء الماضي البغيض بين جهل وفقر واستغلال نفوذ ووتطلع وتنطع ورغبات انتقامية رسمية ودون الرسمية..  ربما كان لابد من التوقف لعقد مراجعة دقيقة لمواقف رجل الدين في عصرنا هذا من مجتمع يدعي أنه يسعى للتحسن والتطور سواء على المستوى الشعبي أو السياسي..  الثابت أن رجال الدين على مر العصور قاموا بصياغة النسيج الروحاني للشعوب، وفي أغلب الأحوال هم كانوا العرابون المعتمدون لأي صفقة بين حاكم وشعب.. فالدين هو أفيون الشعوب، وبه وبالسوط فقط يستطيع أي طاغية إمتلاك زمام الأمور ومقاليد الحكم.. تماماً كما أشار المؤرخ عبد الرحمن الكواكبي 1855 : 1902 في كتابه الأشهر "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" إلى أن الاستبداد السياسي يتولد من الاستبداد الديني، فهما صنوان قويان بينهما رابط هو الحاجة على التعاون لإخضاع البشر..!

خلال العقود الستة الأخيرة فقط، هالني ما استطعت رصده من مواقف مخجلة لنماذج محسوبة على السلطة الروحية بصفتهم رجال دين ودولة من ذوي المنعة المقدسة..! وتساءلت: أليس من شأن هؤلاء نشر تعاليم الدين وتوعية العامة وتنبيههم أمام ما يحيط بهم من أخطار..؟ ومن شأنهم أيضاً تقوية الحاكم وتقويمه تجاه كافة الشؤون الشرعية والمجتمعية..؟  بحثت، ومع الأسف وجدت كثيرين منهم أفاقون ومرائون وخونة، إلا من رحم ربي..! لست خارق القدرات لكي أرصد الكل، وأنا هنا لا أوجه إتهاماً لأشخاص بصفتهم، لكن ما تحصلت عليه من نماذج لأقوال وكتابات البعض يشي بفداحة الوضع ومأساويته، وكذلك يدق ناقوس الحذر أمام أي فتاوى قد تخرج عن رجل دين معاصر بصرف النظر عن مكانته أو منصبه أو إلى أي عقيدة ينتمي..

سيد قطب 1906 : 1966 أيقونة الإخوان المسلمين أفتى بتأييد إعدام العمال المتظاهرين في كفر الدوار حين كان في منصب رسمي بحكومة ناصر ونجيب عام 1952.. كان الحكم بإعدام محمد مصطفى خميس 19 عاماَ، ومحمد عبد الرحمن البقري 17 عاماً قد صدر عن المحكمة العسكرية، وكتب حينها قطب في جريدة الأخبار بتاريخ 15 أغسطس 1952 مقال تحت عنوان "حركات لا تخيفنا" وطالب فيه بالتعامل بكل عنف مع العمال الذين خرجوا للمطالبة بحقوقهم واصفاً التظاهرات بأنها مؤامرة تقف وراءها القوى الإمبريالية الاستعمارية..  وفي مشهد أخر يخرج علينا الشيخ عبد الحليم محمود  1910 : 1978 شيخ الأزهر السابق في العام 1977 بفتوى أن الاحتجاج على النظام الحاكم من عمل الشيطان، مشيراً بذلك إلى ثورة الخبز التي نعتها السادات بأنها إنتفاضة حرامية..  ومن عجائب التناقض في فتاوى رجال الدين بين بعضهم البعض بإختلاف العصر وتباين توجه النظام الحاكم، هذا ما جاء به الشيخ محمود شلتوت 1893 : 1963 حين أفتى قبل وفاته وكان يحمل حينها لقب الإمام الأكبر بأن الصلح مع دولة الاحتلال الصهيوني حرام، ثم تأتي فتوى مزدوجة من الشيخ على محمود والشيخ محمد متولي الشعراوي 1911 : 1998 وزير الأوقاف في منتصف السبعينيات من القرن الماضي بجواز وشرعية هذا الصلح الذي حَرَّمَه الشيخ شلتوت قبل سنوات..!

ومؤخراً، يطل علينا من نافذة التاريخ المعاصر بصنوف من التناقض الشيخ الإمام أحمد الطيب، الذي تمت تسميته إماماً وشيخاً للأزهر عام 2010 في نهايات عصر الطاغية مبارك خلفاً للشيخ محمد سيد طنطاوي 1928 : 2010.. مبارك حاكم أجاد انتقاء أفراد حاشيته ومساعديه الذين ساهموا في حصوله على لقب "الرئيس المزمن" لطول فترة حكمه، وهو الذي لم يخف غضبه من الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق 1917 : 1996 حين امتنع الأخير عن اصدار الفتوى بشرعية فوائد البنوك، وهو أيضاً من أقصى الشيخ نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية من منصبه حين عارض فكرة التوريث علناً، وكذلك لم يبارك صفقات تصدير الغاز الطبيعي لإسرائيل.. كان موقف الطيب من ثورة يناير واضحاً وغير مخالف لسلفه من رجال الدين ذوي المناصب العليا المقربون من بلاط الحكم، فقد أفتى فضيلته بعدم جواز الذهاب للصلاة يوم 28 يناير 2011 المسمى "جمعة الغضب" ووصف كل من ينادي بالنزول للتظاهرات بأنهم ليس في قلوبهم ذرة من الإيمان، وأن دعوات التظاهر حرام بوصفها خروج على الحاكم..!

وكأن التاريخ يصر على أن يعيد نفسه..  ليظل رجل الدين تابعاً للبلاط وقائماً على خدمة الحاكم، وما على الأخير إلا أن يحسن الانتقاء وأن يعطي بسخاء..  أما الشعوب ولا حرج، فليس لها مجرد حق الاعتراض أمام تلك الكتائب المنتقاة من كوماندوز التدليس الثيوقراطي متعددي المذاهب..  البابا تواضرس الثاني الذي تم ترسيمه بطريرك للكرازة المرقصية وأباً للكنيسة القبطية الأرثوذكسية في نوفمبر 2012 خلفاً للبابا شنودة الثالث 1923 : 2012 يكتب على الأهرام اليومي في يناير 2014 بعنوان "نَعَم تجلب النِعم" في تشابه مذهل أو ربما تطابق في الشكل وليس المضمون مع ما جاء على لسان محمد حسين يعقوب عمدة مشايخ السلفية في غزوة الصناديق مارس 2011.. ويقول الدكتور سعد الهلالي أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون أثناء تكريم أسر ومصابي الشرطة عام 2014  أن عبد الفتاح السيسي ومحمد إبراهيم رسولان من رسل الله  كهارون وموسى.. وفي نفس العام يتغزل القمص بولس عويضة راعي كنيسة الزهراء قائلاً أنه يذوب عشقاً في جمال مظهر الرئيس الأمور عبد الفتاح السيسي وهيئته البهية، وأنه الأب المقدس يعذر النساء اللائي وقعن أسيرات في جمال هيئة الرئيس وبهاء إطلالته..

مما تقدم، وبالطبع بعد هذا التوصيف الغزلي المدهش، ربما لن نجد غرابة في مسائل التنكيل بأي صوت معارض، ولا في أن يأتي وكلاء وزارة الأوقاف الأساتذة صبري عبادة وسالم عبد الجليل بفتاوى من العيار الثقيل، فيقول الأول أن الخروج على الرئيس هو خروج على ثوابت الإسلام، أما الأخير فيصف معارضيه بأنهم بغاة يجب قتلهم..! 

أقول قولي هذا.. واستغفر الله للشهداء وللعقلاء ولنزلاء المعتقلات الأبرياء ممن سلبتهم فتاوى حاشية الحاكم حقهم في الحرية..  واستغفره لنفسي أيضاً إذا سمح القارئ الكريم..!  

 

التعليقات
press-day.png