رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: بورجوازيتنا العاجزة (١-٢)

لماذا لم تسهم البورجوازية المصرية -كما فعلت قرينتها الأوروبية- في مشروع تحديث المجتمع المصري خاصة في فترة السبعين عاما التي تلت هزيمة حركة الضباط في ١٨٨٢ و التي انتهت بنجاح حركة أحفادهم في ١٩٥٢؟  ثم لماذا لم تشرع البورجوازية المصرية طيلة الأربعين عاماً التي لحقت زوال دولة "يوليو" في ١٩٧١ في بناء نفسها كطبقة مُنتجة حقيقية تُرسخ التقدم الرأسمالي بما له من آثار إقتصادية و ثقافية تصنع مجتمعاً حديثاً و تضعه علي طريق الإنتقال صوب مرحلة أخري من مراحل تطور التاريخ الإنساني؟ وهل كان من الممكن "للبورجوازية المصرية" بعد يناير ٢٠١١ أن تقوم بترتيب أوراقها فتبحث في تاريخها مُستلهِمَةً دروس الماضي و الحاضر لتأخذ زمام المبادرة كي تضع المجتمع المصري علي بداية طريق اللحاق بالعصر؟

كانت مُعضلة "عجز البورجوازية المصرية" عن المساهمة الجادة في التطور تشكل لَدَيَّ هاجساً يستحثني دوماً علي الغوص بحثاً في أسباب الإنقطاع الحضاري الذي وصل بنا إلي ما نحن فيه الآن من أسوأ مظاهر الإنحطاط و أشدها بؤساً و تعاسة.

خاضت البورجوازية الأوروبية في سياق التطور نضالات كبيرة لتُثَبت أقدامها و تفرض قِيَمِها مُنتَزِعة القيادة من الإقطاع حيث إندمج في تلك النضالات الشأن الثقافي مع مثيله الإقتصادي وسط مجال سياسي توَلت بمنتهي الجرأة و التصميم مهمة تحريره فإنسجمت لديها رؤية واحدة متماسكة -لم تساوم عليها أبداً- جمعت بين التحرر الثقافي و التحرر الإقتصادي و التحرر السياسي، لكن بورجوازيتنا عجزت عن ذلك عجزاً بَيّناً فإستسلمت أمام ضربات الإستعمار بصيغته العتيقة بعد سبتمبر ١٨٨٢ و حتي يوليو ١٩٥٢ ثم بصيغته الحديثة فيما بعد مايو ١٩٧١. و للأمانة التاريخية لابد أن نُقِر بأن "طلعت حرب" كان وحده يمثل إستثناءاً من تلك الحالة العاجزة للبورجوازية المصرية فتراه يُلَخِص -في معرض ترويجه لإنشاء "بنك مصر"- حالة العجز تلك في عبارة بالغة الدلالة: "إن أغنياء مصر همهم الوحيد جمع الأموال و كنزها. إنهم يضعون في البنوك علي سبيل الأمانة فقط مبالغ طائلة تستثمرها تلك البنوك لحساب نفسها.

إن للمصريين نقوداً و ودائع لا ريع لها تكفي لرأسمال بنك مصري عظيم". وَعَي "طلعت حرب" درس البورجوازية الأوروبية و دورها الوطني في تطوير المجتمع كما تفرضه مقتضيات الواقع و موجبات التقدم، فترجم علي أرض الواقع نموذجاً تحديثياً جمع فيه بين الثقافي و الإقتصادي بمفردات و مقومات عصره لكن هذا النموذج ما لبث إلا وقد أُحبِط فتوقفت مساهمته في صيرورة التاريخ ليظل المجتمع المصري حتي يوليو ١٩٥٢ إقطاعياً في جوهره بورجوازياً في مظهره بائساً في كلاهما، حيث أحجم الإقطاعيون عن إعادة توظيف فوائض إنتاج إقطاعياتهم في تطوير الزراعة "بالريف" كما أحجموا عن إستثمارها في خلق نمط إنتاجي حديث "بالمدينة" ليظل النمط الإقتصادي "إستاتيكياً" ساكناً يقوم علي الريع الذي يُكتَنَز فائضه في البنوك و/أو يُوَظف في المضاربات ببورصات الأسهم و القطن و/أو في شراء مزيد من الأراضي و العقارات و/أو في الإستهلاك الترفي التدميري دون الإنتقال إلي نمط إنتاج "ديناميكي" يمضي بالمجتمع للأمام.

للحديث بقية إن كان في العُمر بقية.

التعليقات
press-day.png