رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

أحمد بهجت صابر يكتب: ليس بالبندقية وحدها يحيا الشرق

لست أدرى إن كنت مبالغاً أم لا عندما سألت الدكتور هنرى العويط المدير العام لمؤسسة الفكر العربى والسيدة لانا مامكغ وزير ثقافة الأردن السابقة "هل سيكون مصير العرب كمصير الهنود الحمر؟!", ورغم أن كلاً منهما أجاب بنظرة ملأها التفاؤل, لكن يبقى الوضع الراهن شاهداً على حالة مأساوية فاقت حدود خيال كتاب الدراما والسينما.

"الشرق" أو الوطن العربى يشهد تداعياً رهيباً منذ قرن ونيف خلف أوضاع كارثية على الأرض وتقسيمات وإعادة رسم لحدود دوله منذ أن ترنحت الدولة العثمانية فى القرن التاسع عشر وحتى زوالها عام 1924 على يد مصطفى كمال أتاتورك, فقد ظل الحديث عن مصيره أو ما عُرف بـ "المسألة الشرقية" التى عرفها مصطفى كامل فى كتابه الذى حمل نفس العنوان بأنها " اﻟﻨﺰاع اﻟﻘﺎﺋﻢ ﺑين ﺑﻌﺾ دول أوروﺑﺎ وﺑين اﻟﺪوﻟﺔ اﻟﻌﻠﻴﺔ - العثمانية -، ﺑﺸﺄن اﻟﺒﻼد اﻟﻮاﻗﻌﺔ ﺗﺤﺖ ﺳﻠﻄﺎﻧﻬﺎ" مستمراً لفترة طويلة.

وإذا كان حال الدولة العلية رآه الكثيرون وعقدوا له الكثير من المؤتمرات فى القرن التاسع عشر لتقسيمها وإعادة توزيع تركتها, فإن ذلك أسفر بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بل وأثنائها عن اتفاق "سايكس – بيكو" ووعد بلفور المشئوم, وما من شك أننا ما زلنا نعيش تداعيات هذا الأمر حتى وقتنا الحاضر, وإذا كانت المقدمات تشبه النتائج فإن ما يعيشه "الشرق" الآن يتشابه فى كثير منه مع ما ابتليت به الدولة العثمانية والتى أدى فى نهايته لقيام تركيا على أنقاضها, فهذا يجعلنى أتخوف من المآل المحتوم لدول المنطقة العربية التى تعيش لحظة تاريخية فارقة قال عنها الأستاذ ﻋﺒﺪ اﻟﻐﻔﺎر ﺷﻜﺮ رﺋﻴﺲ ﺣﺰب اﻟﺘﺤﺎﻟﻒ اﻟﺸﻌﺒﻲ اﻻﺷﺘﺮاكى فى ورقة له بعنوان " اﻟﻌﺪاﻟﺔ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺔ ﻓﻲ اﻟﻮﻃﻦ اﻟﻌﺮﺑﻲ ﻓﻲ ﺿﻮء اﻹﺧﻔﺎق التنموىواﻟﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻲ واﻷﻣﻨﻲ" – بالمؤتمر اﻟﻘﻮﻣﻲ اﻟﻌﺮﺑﻲ العام الماضى – إن أكثر من نصف دوله يواجه ﺗﺤﺪﻳﺎت وﺟﻮدﻳﺔ ﺗﻮﺷﻚ أن ﺗﻌﺼﻒ به وﺗﻔﻘﺪﻫ ﻣﻘﻮﻣﺎته اﻷﺳﺎﺳﻴﺔ.

الأستاذ عبد الغفار نقل أيضاً عن مؤتمر عُقد فى جنيف مارس 2001 أن الدولة إما تسعى لتحقيق الأمن المجتمعى وإما أن تكون مصدراً لتهديده وخرقه, كما رأى فى موضع آخر حول أولوية الأمن بأنها تكمن فى مجتمع يتسم بالعدالة وليس بحماية النظام السياسى القائم, وربما هذه الكلمات من وحى ثورات الربيع التى ضربت العديد من دول "الشرق".

لا أدعو هنا إلى كلام إنشائى بغرض ملء فراغ المقالة ثم أذهب لشأنى, فالخطر المحدق بنا جميعاً حقيقى وماثل للعيان وليس بحاجة للتدليل أو البرهان, كما أن روشتة العلاج معروفة للجميع أوردها الأستاذ عبد الغفار فى ورقته وموجودة فى العديد من الدراسات والأبحاث, ولعل هذا ما دفع قائد الجيش اللبنانى العماد جان قهوجي في كلمته أمام المؤتمر الإقليمي السادس لمركز البحوث والدراسات الاستراتيجية التابع للجيش اللبنانى يوليو الماضى – قدم للمؤتمر الدكتور وحيد عبد المجيد رئيس تحرير مجلة السياسة الدولية على موقعها – للقول " إدراكاً منا بأنه ليس بالبندقية وحدها تُحمي الأوطان، بل أيضا بالمعرفة التي تحدد وجهة تلك البندقية،وتنير الطريق إلى الحقيقة".

الحقيقة يا سيدى تكمن فى أن مشهد "الأفول" يلف المنطقة بأسرها, وأن إضاعة الوقت نحو إصلاح حقيقى يضرب جذور التهديد الوجودى الذى يقف بالمرصاد لدوله يعنى الاقتراب أكثر نحو نهاية مخيفة لن تكون أشد بأساً من تلك التى أصابت السلطنة العثمانية فى نهايتها, هذا الذى نراه الآن يشبه إن شئت ما أصاب المسلمون فى الأندلس حينما شهدت تداعياً مستمراً منذ عام 1010 م وحتى عام 1492 م, حيث ظل الحكام يتصارعون هناك حتى فقد الجميع عروشهم.

 

ahmadibraim@yahoo.com

 صحفى بجريدة الأخبار المسائى

 

التعليقات
press-day.png