رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

د. محمد محفوظ يكتب: البحث عن كفاءات في صناديق النفايات

يقولون مع كل تعديل أو تغيير لمستخدميهم في الوزارات والمحافظات ، أن الكفاءة هي ضالتنا ، وأينما وُجدت الكفاءة تعززت مصلحة شعبنا ودولتنا .

ويقولون .. لا نحاسب الناس بماضيهم أو بسابق انتماءاتهم ، وإنما بتاريخهم الوظيفي وتخصصاتهم وإنجازاتهم .

ويقولون .. لا تنصبوا لنا فزاعة نظام مبارك ، لتحكموا بالإعدام السياسي والوظيفي على كل من تقلد منصباً في عصره وعهده .

ويؤكدون .. بأن ميزان الكفاءة هو ميزانهم الحساس الذي يقيس معادن الناس ، ليفرق بين الصفيح والماس .

هع .. هع .. هع .. هع .............

بالطبع ما سبق ، هو من عينة الكلام الذي يدخل لإحدى الأذنين فيخرج من الأخرى خلال فمتو ثانية ، فلا مكان له داخل رأس يسكنها عقل وليس سلطانية مهلبية .

فالكفاءة الوظيفية المزعومة المدعاة ، لا تُغني - حتى إن وُجدت - عن الاستقامة الإنسانية والنزاهة السياسية والشجاعة الأدبية .

لا يمكن لمن تربوا في ظل نظام يذل أعناق الرجال ويدهس كرامة النساء ، أن يرفعوا رؤوسهم أو أصواتهم في مواجهة الحاكم ، رئيس كان أم ملك أم سلطان .

ولا يتأتى للمسوخ الإنسانية والعاهات الأخلاقية ، أن تُنتج سياسات غير عليلة وغير سقيمة وغير مأساوية .

ولا يسوغ لمن نشأوا كدلاديل في بلاط السلطة وطراطير في دوائر النظام ، أن يعارضوا سياسة أو يتحفظوا على إجراء ، أو يقاوموا تجاوز أو انتهاك أو انحراف .

طبيعة الأمور ومناهج العقول تقرر وتقول : أن صناديق النفايات لا يتحلق حولها إلا آكلي الجيف والرمم ، ولا تسكنها إلا الحشرات والميكروبات .

وبالقطع ، صندوق مبارك غير المبارك المحكوم عليه بالإدانة هو ونجليه لاستيلائهم على المال العام في قضية القصور الرئاسية ، هذا الصندوق هو بلا شك أحد صناديق النفايات الذي تملأه الكفاءات المشبوهة لعملها تحت قيادة سارق وناهب للمال العام .

لهذا ، ما أدنأ الكفاءات التي ترتفع بالبناء ، ولكن تغض الطرف عن الغش في حديد التسليح والأسمنت ومعايير المواصفات .

وما أحقر الكفاءات التي تعرف المسار ، ولكن تعقد اللسان عند العبث بمحرك وفرامل السيارة أو الاتوبيس أو القطار .

وهل يمكن الاعتماد على من عاينوا تزوير الانتخابات ، فما نطقوا بل تخارسوا وانخرسوا ؟

وهل تجوز الثقة في الذين شهدوا نهب المليارات ، فما انتفضوا بل تعاموا واستعموا ؟

وهل هناك ذرة أمل في الذين خبروا دهس الحقوق وقمع الحريات ، فما وجلوا بل تغافلوا وغفلوا ؟

هل يصلُح أي من هؤلاء - رجالاً كانوا أم سيدات - ليتوزروا الوزارات ويُستحفظوا على المحافظات ، حتى لو امتلكوا ما في الأرض جميعاً من كفاءات وخبرات وتخصصات ، أو تجملوا بأدب القرود ورقة الورود .

الاستقامة الانسانية هي التي تجعل المسئول يرجح كفة المصلحة العامة حتى لو كانت مصلحته الخاصة في الكفة الأخرى .

والنزاهة السياسية هي التي تبتعد بالمسئول عن مواطن العفن والعطن والزلل ، لتظل سيرته السياسية ناصعة ، وشفرتها حادة وماضية .

والشجاعة الأدبية هي التي تدفع المسئول لكي يمارس سلطاته الدستورية والقانونية ، دون تعليمات أو توجيهات أو إملاءات من أية سلطة علوية .

والاستقامة والنزاهة والشجاعة ليست شعارات نظرية ، وإنما ممارسات عملية ، أدواتها هي :

- الكشف والمجاهرة ، لفضح ما أعوج وشذ وانحرف .

- والاستقالة والمغادرة ، لإرسال رسالة للسلطة والشعب على الملأ ، بأن المسار في الطريق الخطأ .

- والتحدي والندية ، لإثبات أن المسئول لا يعمل بأمر الحاكم ، وإنما بأمر الشعب صاحب الدستور والقانون وسيد الحاكم .

الكفاءات المفتقرة للاستقامة الإنسانية والنزاهة السياسية والشجاعة الأدبية ، لا تبني وطناً ، وإنما تحفر قبراً جماعياً لمستقبل هذا الوطن في " الأرافة " السياسية .

والذين يتحدثون عن الكفاءات بمعزل عن الأخلاقيات ، نقول لهم : الفرق بين البشر والآلات يتمثل في .. الأخلاقيات .

الاستقامة والنزاهة والشجاعة ، تمثل المناعة التي يتحصن بها الساسة من دهاليز ومستنقعات ومنزلقات السياسة .

والواقع المؤسف يقرر ، بأن من افتقروا إلى هذه المناعة مرضى بالإيدز السياسي ، وينشرون العدوى بنقص المناعة في كل دوائر السلطة ومؤسساتها .

أصحاب " السوابق السياسية " في الخسة والندالة والطرمخة ، ومسح الجوخ والتخديم والطبطبة ، لا يمكن أن يُدرجوا ضمن أصحاب الكفاءات . فما أحقر الكفاءات التي تستوطن صناديق النفايات الموبوءة بالميكروبات والحشرات . وما أرذل الكفاءات التي لا تخشى الله قدر خشيتها للحاكم وزبانيته من البصاصين والهجامين في الأجهزة .

كما أن أدب القرود ورِقَّة الورود ، لا يمكن أن يكونا علامة على دماثة الخلق وتوطن الاحترام . فالمسكنة والدحلبة وتخدير الناس بمعسول الكلام ، لا تعوض الشعوب عن نهب ثرواتها وضياع أعمارها على موائد اللئام .

.. أما من كتب على نفسه وعهده .. بأن يستعين بمن أهلكوا وجرَّسوا من سبقه .

فعليه ألا ينتظر إلا نفس المآلات .. وأسوأ الخواتيم والنهايات .

*****

dr.mmahfouz64@gmail.com

 

التعليقات
press-day.png