رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

رائد سلامة يكتب: بورجوازيتنا العاجزة (٢-٢)

مَضت التسعة عشر عاماً بين يوليو ١٩٥٢ و مايو ١٩٧١ بحُلوها و مُرها، بما لها و ما عليها لتنتهز البورجوازية المصرية -التي ظلت كامنة طوال هذه السنوات- الفرصة للعودة مرة أخري لصدارة المشهد وسط متغيرات محلية و إقليمية و دولية رسم نظام مايو بموجبها خارطة تحالفات مغايرة تماماً لما سبق تلك السنوات و ترتب عليها تغيرات جوهرية بالنسق الإجتماعي الذي تشكل في ظل دولة يوليو و كاد أن يكتمل بموجب ما تحقق من مصالح طبقية وئدته غلبة الصوت الواحد و التنظيم الواحد و الرجل الواحد في ظل غياب مؤسسات سياسية مستقلة مما أدي إلي عدم قدرته علي الصمود أمام ضربات نظام مايو، فإنهار تدريجياً مُلقيا بالملايين خارج دائرة التفاعل الحي. عادت البورجوازية في ثوبها الجديد و بآليات عصر جديد لكن جوهرها بَقِيَ كما هو دون تغيير يُذكر، فظل الريع هو الملمح الأساسي الذي يسعي إليه البورجوازيون مع إحجام عن الإنتاج الذي يطرح قيماً مضافة يعاد تدويرها بالمجتمع لأجل تطوير القوي المُنتجة و علاقات الإنتاج فإنتعشت أعمال البنوك للإقراض الترفي الإستهلاكي و إزدهرت التجارة و المضاربات بسوق الأسهم و العقارات و أنشطة السياحة و الإتصالات ليظل تكديس المال (لا تراكم رأس المال) هو كلمة السر.

 تلاقت طموحات السياسيين الفَسَدة مع مصالح البورجوازيين من رجال المال التقليديين و شيئاً فشيئاً صار فسدة السياسة هم أرباب المال و الأعمال ليضيفوا إلي النشاط الإقتصادي الراكد أنشطةً جديدة تكونت بحُكم خبراتهم البائسة و علاقاتهم الدولية المشبوهة كنشاط "بيع" وحدات القطاع العام بأبخس الأثمان تحت شعار "الخصخصة" و نشاط "بيع" الديون السيادية و نشاط "بيع" الأراضي. و لعل القارئ الكريم لم يَفُته الوصف الذي وضعته بين الأهِلة.."البيع" الذي تُهدر بموجبه كل قِيَم الإنتاج و مقوماته و قواه حيث يقوم علي "تبادل" القية لا "إنتاجها". و البيع لا يحتاج  -فنياً- إلي قوي عاملة ضخمة بل و ربما لا يحتاج إلي أي عمالة من الأساس خاصة و أن البائع هنا لا يبيع بضاعة تُصنع علي مراحل و تتميز بحركة عالية كالبقال -مثلاً- الذي يبيع بضاعة مُصَنَعة ثم يشتري أخري بمجرد نفاذها كي يعيد دَورة التجارة، لكن ما كان يبيعه فاسدو السياسة اللصوص من أرباب المال الجدد تَمَثل في "بضاعة" لا يملكونها (و لهذا هم مَحضُ لصوص) تُباع مرة واحدة لقاء نسبةٍ محددة يتم تحويلها إلي الخارج في معظم الأحوال لتستفيد بها أنظمة مالية أخري هي -في الغالب- ذات الأنظمة التي قامت بشراء المَبيع فيظل المال في حقيقة الأمر لديها لم يتحرك. إذن فبورجوازيتنا العاجزة -بالأساس- قد تطورت سلباً لتضم أشكالاً جديدة من الأنشطة الإقتصادية التي رَسَخ إستمرار سوء التوظيف عجزها و دمر الفساد قِيَمِها لتُساهم في "تَخليف" المجتمع و إضطرابه بالإستغناء عن عدد ضخم جداً من العمال الذين لا تحتاج إليهم تلك الأنشطة اللا مُنتجة إلي أن أتانا يناير ٢٠١١ كبارقة أمل في إعادة ترتيب الأوراق.

حاولت البورجوازية العاجزة غير الفاسدة -نسبياً- بعد يناير ٢٠١١ أن تتولي عجلة القيادة لكنها كانت تفتقد القدرة علي التواصل بسبب تعاليها و عزلتها و إنتهازيتها و خوفها و تقصيرها في تطوير القوي المنتجة و علاقات الإنتاج برسم تحالفاتها الخائبة، فإنسحقت مرة أمام قوي الدين السياسي التي لا تجد غضاضة في "النمط" إن لم يكن هو نفسه أساسها و العماد، ثم إنسحقت مرة أخري أمام الفاسدين الذين كَمِنوا بضع سنوات في الظل ليعودوا بعد يونيو ٢٠١٤ تدريجياً و بتؤدة مدروسة بعناية بالغة تحت يافطات مؤسسات سياسية جديدة ليكرروا ذات النمط البائس لكن بِحُلةٍ مختلفة في ظروف مُغايرة أحسنوا إستخدامها. فشلت بورجوازيتنا العاجزة غير الفاسدة –نسبياً- في خوض معركة فكر التحرر الإقتصادي الذي يقتضي حتماً تحرراً سياسياً داخلياً و خارجياً كما فعلت قرينتها الأوروبية منذ قرون ليظل النمط بلا تغير..إكتناز للمال/إستثمار وهمي في الأراضي و العقارات سيؤول إلي فقاعة قد تنتهي بكارثة لن تُبقي و لن تَذر/إستهلاك يدمر فوائض الإنتاج/إهدار للثروات الطبيعية/قوي إجتماعية ضخمة مُجَهَلة مريضة و فقيرة تضطرب خارج السياق لم تَعُد -حرفياً- تجد قوت يومها وسط حالة من سوء الإدارة الحكومية التي راكمت الديون و زادت من عجز الموازنة العامة و الموازين التجارية. تركت بورجوازيتنا العاجزة غير الفاسدة -نسبياً-  بعد يونيو ٢٠١٤ الساحة خالية ليشغلها آخرون لا يعرفون سوي السمع و الطاعة ليظل المجتمع المصري بأكمله حتي إشعارٍ آخر خارج دائرة التاريخ.

التعليقات
press-day.png