رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

مجدي عبد الهادي يكتب: العرب وإسرائيل بين عبادة الماضي وصناعة المستقبل

 

الشعوب المتخلفة  وحدها هي التي تعيش في الماضي ولا تجابه تحديات الحاضر، بل إن تعلقها بذلك الماضي ربما لا يكون سوى عرض لعجزها عن مواجهة حاضرها، وتمثل الشعوب العربية حالة قياسية لذلك التعلق بالماضي، الذي يعبر عن نفسه في كافة المجالات تقريبًا، في السياسة والثقافة والمجتمع.

وتعبر تلك الأزمة عن نفسها في الخطاب العربي عمومًا كخطاب هوياتي، أي خطاب ينطلق من الهوية والتاريخ، تتمحور كلماته المفتاحية حول الهوية والأرض والعرض والحقوق التاريخية، وللأسف لا تتضمن تلك «الطواطم» الخطابية أي معاني مستقبلية أو مصالح مادية، بل تنطلق كلها من ذلك التعلق بالماضي وبالغرائز القبلية التي لم يعد العالم المتحضر يفهمها أو يحترمها أو يقيم لها حسابًا جديًا!

فالشعوب المتحضرة التي عانت الأمرّين من صراعات الماضي، غيّرت وجهتها وعقليتها جذريًا باتجاه الانشغال بتحديات الحاضر وآمال المستقبل، ولم تعد تلك الشعوب المتحضرة هي فقط شعوب الحضارة الغربية، بل إن تلك العقلية قد سادت العالم اليوم بكافة أرجائه تقريبًا، إن لم يكن لتغيّر في الرؤية وفلسفة الحياة، فعلى الأقل لدوافع مصلحية وعملية بحتة، وتكفينا نماذج كاليابان والصين والهند لو أطلقت للذهنية الماضوية الثأرية العنان ؛ لما صنعت ما صنعت، ولما أصبحت اليوم ضمن كبرى القوى المتقدمة والصاعدة في العالم.

ومما يُذكر عن الإمبراطور الياباني في هذا السياق مقولته الشهيرة لشعبه إثر الهزيمة: «لقد هُزمنا في المعمل»، والتي مثلت بذاتها نبذًا حاسمًا لفكرة الثأر وتركيزًا على برنامج عمل كامل للأجيال القادمة يتمحور حول العلم والعمل والإبداع والتطوير الحضاري.

فقط بقي العرب وحدهم يبيعون الحاضر بالماضي ؛ فللآسف يميل الخطاب العربي السائد حول فلسطين مثلًا للتمحور حول الحقوق التاريخية بأكثر مما يتعاطى مع حقائق الحاضر، فلا يفهم بالتالي لماذا لم يعد يلقى التعاطف دوليًا، رغم أنه من المفهوم لأي مراقب محايد لماذا تبدو الاستجابات السلبية للعالم المعاصر تجاه ذلك النوع من الخطاب استجابات منطقية، بل ربما كانت أقرب الاستجابات للبداهة.

فليس من المنطقي أن يقتنع العالم بخطابات دول فاشلة وفاسدة ومستبدة، تعيش أوضاعًا بائسة وتعلي قيمًا متخلفة تجاوزها الزمن وألقاها التاريخ وراء ظهره، خصوصًا إذا كانت هذه الخطابات تستهدف وتتمحور حول عداوة دولة أكثر تقدمًا وأرقى قيمًا، حتى ولو شكليًا، ولهذا الانحياز قاعدة منطقية تتمحور حول سؤال مشروع هو «ماذا نقدم للإنسانية؟»، كما أن له قاعدة أخرى تطورية كما يخبرنا الكاتبان الأمريكيان روبرت أورنشتاين وبول إيرليش في كتابهما «عقل جديد لعالم جديد» أن للعقل الإنساني عادات في الانحياز في أحكامه، وكثيرًا ما تتعلق بالمظاهر أكثر ما تتعلق بالمنطق أو بالحق، فحتى القاضي المتمرس غالبًا ما يكون أكثر تعاطفًا مع المتهم الوسيم، امرأةً كان أم رجلًا!

إن الأنظمة العربية التي اعتادت المتاجرة بالقضية الفلسطينية وبعداوة إسرائيل هى في الواقع ومن الناحية العملية أكبر عدو لتلك القضية وأفضل داعم وحليف لإسرائيل، ليس بالمعنى المباشر الذي يقصده البعض بكون تلك الأنظمة تستخدم ذلك الخطاب كمجرد ديموجاجية رخيصة للاستهلاك المحلي، فيما تمارس العلاقات والمفاوضات وحتى الاستلقاء على البطون بعيدًا عن أعين شعوبها، بل بالمعنى الأعمق المتصل بدور هذه الأنظمة في التمكين لإسرائيل بحضورها المُعادي للحداثة وأدائها المُدمر للتقدم.

إن التخلف الذي يعيشه العرب على جميع المستويات، والمسئولة عنه تلك الأنظمة الاستبدادية الفاشلة، هو أكبر دعاية لإسرائيل وأعظم دعم لوجودها؛ فالمتخلفون أولًا جهلة لا يسمع لهم العالم، وثانيًا ضعفاء عاجزون عن الدفاع عن حقوقهم وإجبار الآخرين على احترامها، كما أنهم ثالثًا لا قيمة لهم كونهم فقراء ليس لديهم سوى موارد عاجزين عن استخدامها، فلا يُعاملون من ثم سوى كمطمع وموضوع للاستغلال!

وهو ما يتعزز بمجرد النظر للجبهة الأخرى الممثلة لإسرائيل، فمهما كان بها من مباذل أخرى، فهي تبقى الحالة النقيضة تمامًا، فأمام العالم دولة متقدمة وفقًا لكل مؤشرات القوة، ومتحضرة بحسب كل معايير ومؤشرات الحداثة والمشروعية الإنسانية، والأهم ذات قيمة تعادل ما تقدمه للعالم وما تطوره من شبكة علاقات ومصالح مع مكونات العالم المختلفة بما يتجاوز حلفاءها الغربيين التقليديين.

فلينظر العرب في واقعهم وليديروا أعينهم عن الماضي البائد ليسعوا لمستقبل واعد.

 

التعليقات
press-day.png