رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد أحمد فؤاد يكتب: مولد سيدنا ميسي!

مع الأسف تمارس دوائر صناعة القرار في مصر وبشكل مثير للشفقة ما يتشابه وثقافة الموالد كلما حل علينا ضيفاً ذو مكانة مرموقة أو شهرة واسعة، وكأن الإبداع والإبهار لدينا لابد وأن يرتبط بالسفه والبذخ والتظاهر بغير الواقع..!

والمولد لمن لا يعرف، هو طقس احتفالي لتخليد ذكرى أحد الأشخاص بعد وفاته، وعادة ما ترتبط بهذا الشخص مكانة أو قداسة من نوع خاص.. وهذا الطقس يكون في أغلب الأحيان أشبه بالكرنفال حيث تسود أجواء الصخب والبهجة والمبالغة إلى حد الخروج عن المألوف.. وغالباً ما تذوب في أحداثه الاحتفالية أي معاني تقترب من القداسة أو التكريم لذكرى المتوفى..!

وفي رؤيتي لعدة أحداث ارتبطت بزيارات شخصيات شهيرة لمصر في الأسابيع القليلة الماضية تسائلت: تُرى من أدخل علينا أن اللاعب الشهير استمتع أو استفاد من زيارته المقتضبة الأخيرة لمصر..؟ أو أن المستشارة الألمانية جاءت إلى مصر حباً وتيهاً في مسار نظامها الديموقراطي الاستثنائي..؟ أو أن الممثل الشهير أتى ليحمل رسالة المحبة والسلام ترويجاً لمجتمعنا المثالي في كل شئ خصوصاً السلوك الحضاري..؟

نفس السؤال أوجهه هنا بشكل مختلف لجحافل المريدين وكتائب التصفيق بالأمر المباشر: كيف تسول لكم أنفسكم أن تتخيلوا أنكم أحسنتم استثمار تلك الزيارات لصالح الدولة سواء بالدعاية أو الترويج أو حتى ذر الرماد في العيون..؟

ظني أن الأمر يا سادة لا يعدو كونه انتكاسة صريحة في سلسلة الانتكاسات المتتالية والمعتادة التي أدمن على اقترافها كل من هم داخل دوائر السلطة  ومراكز صناعة القرار في دولتنا منهوبة الماضي والمستقبل.. لن أطيل على القارئ الكريم بمقدمة وسرد مطول، لكن دعونا نذهب مباشرة إلى الحقيقة المجردة التي مفادها " أنه إن لم نصلح الشعب وفكره أولاً، فلا أمل في أي تحسن قريب"..  وإصلاح الشعب يكون بمكاشفته بالحقائق، وإطلاعه على الأمور كافة بكل شفافية ووضوح، وحثه على الاستفادة مما لديه من مقومات غير مستغلة، واستثمار الفرص بشكل متحضر بعيد عن الإسفاف والمبالغة.. وأخيراً تقوية إيمانه بالحقيقة والسعي وراءها وتقبلها بكل أوجهها، وليس الهروب والتنصل منها..

لست عالماً بالخبايا والأسرار في كواليس إدارة الدولة، لكن لا بأس من المحاولة في ظل ما هو متوافر من معلومات أو بيانات أحسبها مشوشة عن عمد.. فمثلاً كان السر المعلن وراء زيارة لاعب الكرة الشهير هو دعوته لزيارة مصر كضيف شرف لدعم حملة للتسويق وللترويج الإعلامي لأحد أنماط السياحة وهو السياحة العلاجية..  أما الحقيقة التي شاهدها الجميع فهي أن الحدث تمت محاصرته تماماً بجحافل من المتنطعين وهواة الشهرة والظهور، ولم يتم رصد أي محاولة جادة من جانب القائمين على التنظيم لإبداء أي ملمح إيجابي للهدف الرئيسي من وراء الزيارة.. وفي سياق أخر، كان السر غير المعلن وراء زيارة المستشارة الألمانية لمصر هو أن السيدة تحاول جاهدة إيجاد مخارج مشروعة من متتالية المآزق التي أصابت الإتحاد الأوروبي بالتصدع، وها هي تهز عرش الناتو وتهدد تواجده من الأساس.. السبب سياسي بحت، وربما له علاقة بحصة الناتو من أسواق تجارة السلاح في المنطقة وحصص الاتحاد الأوروبي من النفط المنهوب من شمال أفريقيا، لكن السر المعلن أنها جاءت متيمة ومتأثرة بالنموذج الديموقراطي الفذ لنظام الحكم في مصر، والقدرات الاستثنائية لقيادات الدولة المصرية في منطقة تعج بمخاطر التقسيم والتشرذم..  ثم تأتي زيارة الممثل الشهير وأسرته لمصر.. وهي زيارة خاصة جداً بدون دعوات رسمية، وحسب بعض المصادر كان من المفترض أن تُحاصر بالسرية التامة لولا رفض جهات معينة لهذا المطلب.. وفي مثل تلك الزيارات أظن أن البروتوكول ينص على الترحيب بالضيف بشكل لائق، ومعاملته بإستثناءات لا تتعدى التسهيلات الزمنية والمكانية دون تخطي القواعد المطبقة على الجميع، فالشهرة ليست بوابة للاستثناء في الدول المتحضرة..!  لكن كالعادة فُتحت الأبواب المغلقة أمام الرجل، واِنتُهكت حرمات الآثار على مرأى ومسمع من وزيرا الآثار والسياحة ومجموعة مستشارينهم الأشاوس من هواة التقاط الصور االتذكارية مع المشاهير بشكل مثير للشفقة..!

تسائلت مرة أخرى: ماذا لو كنا اختزلنا زيارة اللاعب الشهير التي نادراً ما سيتكرر مثلها في عدة زيارات سريعة للمراكز العلاجية الجادة المنتشرة في جمهورية مصر العربية، وكذلك بعض المشروعات الخيرية التي تهتم بأحوال الطبقات الأقل حظاً من المجتمع، فيكون لها انعكاس إيجابي على المستوى الداخلي وأيضاً  أظنها سترفع من شعبية اللاعب بلا جدال..؟ فلا أظن أن اللاعب أو مدير أعماله كانوا سيتحفظون مثلاً على إقامة مبارة كرة قدم رمزية وتسجيلها تليفزيونياً لمدة دقائق مع الأطفال مرضى السرطان أو مرضى الالتهاب الكبدي الوبائي وغيرهم في فناء أحد المعاهد العلاجية أو المستشفيات، ثم يتبادل معهم قميصه مع بعض الهدايا التذكارية.. ربما كان تأثير صورة كتلك أكثر وقعاً من تصويره وهو يأكل السلمون المدخن داخل قاعة فارهة..!

وماذا لو قام السادة المسؤلين بإنتزاع بطاقة دعم رسمي من الاتحاد الأوروبي متمثل في المستشارة الألمانية لتطوير أنظمة التعليم في مصر والدول المصدرة للمهاجرين غير الشرعيين، ولتعلن هي هذا من أمام الأهرامات، لكن بعد اصطحابها لترى بعين الواقع بعض القرى ممن يغرق أبنائها في البحر يومياً في رحلات الموت إلى دول الشمال سعياً وراء المجهول..؟

وماذا لو كانت زيارة الممثل الشهير قد تم استثمارها بشكل أفضل من الصور التذكارية الشخصية، وهو استضافته مثلاً في أحد البرامج الترويجية لمدة دقائق ليتحدث عن زيارته وتجربته كفنان شهير ينتمي لأصول إفريقية في مصر الدولة العريقة ذات العمق الإفريقي العربي، والتعدد الثقافي والديني.. ألم يكن هذا أفضل وأعمق تأثيراً على الرأي العام العالمي من مجموع حوارات الطرشان التي يديرها رجال دين ودولة يدعون دائماً أننا لا نعلم وهم يعلمون..!

كالعادة لابد وأن يكون هناك من يتفنن في اهدار الفرص وإفساد الأحداث وتجريدها من قيمتها ومغزاها.. لا أدري لماذا لا يكون بيننا من يستطيع أم يخطط جيداً لاستثمار تلك الفرص لتستفيد منها الدولة والمجتمع في المقام الأول، ثم لتأتي بعد ذلك كل المككاسب والمصالح الشخصية..؟

التعليقات
press-day.png