رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

كارم يحيى يكتب: أين صديقي الدكتور أحمد؟

 

كنت أعتقد بأن الأخبار السيئة في مصر لم تعد تستدعى تأثرا أو دهشة . وهذا لأن السوء أصبح يوميا، والأسوأ عاديا متوقعا حتى فقدنا القدرة على التوقف أمام حدث بعينه. وكأننا في ماكينة تعاسة لا تتوقف عن اللف والدوران بنا. فأصبحنا أسرى حركتها بسرعة قصوى. أنها "دوشة" الاستبداد والفساد والانحطاط والتدمير بما في ذلك " التدمير الذاتي" التي تطغى على كل ما عداها . لكنني استيقظت هذا الصباح على نبأ أربك دوران ماكينة التعاسة ، ووجدتني اهتز له منفلتا من مسارها الإجباري.

صحيح أن أخبار الاختفاء القسري في  البلد  بعد 3 يوليو 2013 أصبحت من الأمور العادية المعتادة المتوقعة . ولقد كتب عنه غيري . وكتب شخصيا أكثر من مرة في غير وسيلة نشر بقدر ما سمحت خطوط كل منها: الحمراء ..وأيضا الخضراء والصفراء. لكن ما ما داهمني على نحو غير عادي صباح هذا اليوم هو خبر اختفاء الدكتور أحمد عبد الستار النقيب السابق للأطباء البيطريين بدمياط منذ الجمعة الماضية 10 مارس 2017. وربما لأنني أعرف الرجل معرفة شخصية منذ أيام كفاية قبل نحو 13 عاما . وربما لأنني وبحكم تعاملنا معا سواء في مواقف وحوارات ثنائية أو لقاءات جماعية أشهد له بأنه مثال للاحترام والتواضع و الخلق الكريم والإنسانية . ولا استطيع أن أنسى وغيري أن الدكتور أحمد أسرني  بصوته الخفيض ولغته الهادئة و آرائه المتزنة . وحقيقة لم أسأل نفسي يوما على مدى تناوب أربعة حكام على مصر منذ تأسيس حركة "كفاية "نهاية عام 2004 إلى أي فصيل أو تيار سياسي وفكري ينتمي ؟. فقد أغناني عن هكذا سؤال تجرده و استقامته  وانفتاحه على الجميع وتضامنه مع كل مظلوم ..وقبل هذا وذاك إخلاصه لحقوق الإنسان والمواطن والوطن . وهكذا لم أجدني يوما في حاجة لأن أسأله أو استقصى أو أهتم بتحديد لونه السياسي ؟ أو انتمائه لحزب أو جماعة كانت ؟.

في ليلة 1 / 2 مايو 2016 الطويلة سهرنا  للصباح على مقاعد غير مريحة أبدا بمدخل نقابة الصحفيين معتصمين احتجاجا على اقتحام قوات الشرطة لمقر النقابة واختطاف زميلينا الصحفيين عمرو بدر ومحمود السقا . وسألته ـ وقد جاءنا من بعيد متضامنا  ـ عن عصفورة زينة بديعة الحسن والجمال ولدت في منزلنا مصابة بداء في إحدى ساقيها أعجزها عن المشي والطيران كأخواتها، فشغلت كل من في المنزل  :" نعمل إيه يا دكتور؟". ظل لنحو الساعة يتحدث إلى  بصوته الخفيض عن احتمالات ما أصابها .وأقترح علاجات . لكنه تنبأ أن لا تعيش طويلا .

 في كثير من الحالات وبحكم الاعتياد وقسوته يمكن توقع استمرار اختفاء المختفي قسريا شهورا وربما سنوات، خصوصا إذا لم نلح بالحديث والنشر عنه . وفي العديد من الحالات يظهر المختفون قسرا لاحقا متهمين في قضايا أمام المحاكم باتهامات ما أنزل بها الله من سلطان . ومعظمها يثير الشك والريبة في مصداقيتها .وفي أقل القليل يجرى إطلاق السراح فجأة .لكن في صمت وكأن أمرا لم يكن . ويصبح من واجبات اللياقة السياسية بل " الوطنية" أن نتواطأ جميعا بالصمت على ما كان ،شاكرين الله عز وجل ومعه الديكتاتورية " الرحيمة " على جميل الصنع . فسلطة تواجه الارهاب والضغوط الخارجية لاتستحق أن يحرجها "الوطنيون الغيورون " و "اليساريون العقلاء" ..وكذا " الإسلاميون السلفيون أحباب الله  والسلطة والأمن ". وبالطبع ليس مهما ما نص عليه دستور 2014 عن ضرورة كشف السلطات قبل مضي 48 ساعة عن مكان احتجاز المواطن وأن تمكنه من الاتصال بذويه ومحاميه . فالدستور منتهك في العديد من مواده وفي روحه .. والحقوق منكورة وليست مصونة . ولا صوت يعلو فوق عبادة الفرد ومعها "مكافحة الإرهاب " وحماية " الأمن القومي " وصيانة "هيبة الدولة ". وفوق كل هذا وذاك ضرورات أن يدفع المواطنين الفقراء والطبقة الوسطى فاتورة الحفاظ على "دولتهم الوطنية جدا ".

لكن كل هذا لايخفي حقيقة أن  صديقي الذي أعرف وأحب الدكتور أحمد  عبر الحاجز الوهمي لدستورنا . مضى على اعتقاله أو اختفائه أكثر من 48 ساعة . وهو الذي طالما انخرط في السنوات الأخيرة في أنشطة سلمية للتصدي لاستفحال ظاهرة الاختفاء أو الاخفاء القسري متضامنا  مع الضحايا وأسرهم بإنسانيته وبضميره البشري أولا .وقبل أي انتماء أو تصنيف سياسي أو فكري . وأنا ما زلت لا أعرف كيف كان انتماؤه أو على اي حال يمكن تصنيفه . ولا أريد أو أود .

لا أريد .. ولا أود أكثر الآن بعد اختفائه .أو بالأصح إخفائه. فقط أتذكر بدلا من كل هذا أن نبوءته عن العصفورة العرجاء  كانت صحيحة . فقد ماتت في الأسر عندنا . حاولنا إطلاقها بعدما يأسنا من محاولات العلاج .لكنها ظلت محتمية بالقفص وبالأسر . ماتت خلف القضيان .ربما أرادت اقتفاء مصير مصريين في غياهب سجون الدكتاتورية . أو التضامن معهم ولو عن بعد. وربما أرادت أن تعطي الدرس :

 لا تتأخروا في إطلاق العصافير .

دكتور أحمد

 ليتك تعود إلينا سالما .  

التعليقات
press-day.png