رئيس التحرير: خالد البلشي

Loading

أهم الأخبار

محمد أحمد فؤاد يكتب: مملكة النفط المقدس.. وأشياء لا تُشترى!

بعيداً عن العناوين البراقة والمبالغات السياسية، لا يخفى على أحد أن مقاعد التحكم في منطقة الشرق الأوسط قد بُعثرت بحرفية فائقة بفعل صراع الكبار، وها هي قد صارت تتحرك بشكل دراماتيكي مشروط ومثير للشفقة، وعلى عكس رغبات وتطلعات شعوب أنهكتها عمليات الاغتصاب الممنهج للبشر والأرض والثروات على يد عصابات المرتزقة محترفي الحرب بالوكالة.. بلغة المصالح، هناك أنظمة تستفيد وأخرى تدفع الثمن، وهناك ممالك ذات حضارات سرمدية تتعرض للإبادة والتشويه المتعمد، وممالك بلا تاريخ حقيقي تسعى لأن تصنع من اللا شئ كيانات تستمد قوتها من ريع النفط وتجارة الدين وأحلام العجائز..!

تابعت بقليل من الدهشة رحلة العاهل العجوز الأخيرة إلى الشرق الأقصى، وهي كما تبدو مهمة شاقة نسبياً بفعل تقدم سن جلالته أمام تأخر حالته الصحية، لكنها بالطبع رحلة ذات مدلول إستراتيجي وضرورات حتمية ربما لا غنى عنها إذا ما أراد آل سعود الاحتفاظ بمكانتهم لدى النمور القادمة من الشرق الأقصى.. إندونيسيا واليابان والصين قوى اقتصادية لا يستهان بها، وإن صح القول، فهُم الوجوه الأقوى التي لم تفصح بعد عن توجهاتها السياسية في منطقة تعج بمواجهات جيوسياسية شرسة، أبرزها على الإطلاق هو هذا الصراع السُني الشيعي غير المعلن بين مملكة النفط المقدس وغريمتها إيران وريثة عرش فارس..!

يبدو وأن الإدارة السعودية قد إستوعبت أخيراً هشاشة وضعها في المنطقة، ومن ثم إحتياجها لعمليات تجميل من نوع خاص، لكنه باهظ التكاليف.. فالأسباب معلومة ومتعددة، منها هذا الصراع الداخلي بين الأخوة من أبناء عبد العزيز آل سعود في البلاط الملكي الذي قد بلغ ذروته بعد أن أطاح الملك بكل الأقوياء من إخوته وأبنائهم ليفسح الطريق لنجله الشاب ليصبح الوريث الشرعي لعرش المملكة..  هذا على الرغم من أن الأخير لم يُظهر بعد أي كفاءة سياسية منذ صعود نجمه، بل أنه قد اقترف عدة أخطاء استراتيجية فادحة صنفها الخبراء على كونها حماقات ورعونة وصلف..  ومن الأسباب التي لا يمكن إغفالها أيضاً هذا التراجع الملحوظ في آداء منظومة العملاء الاستخباراتيين التي تم زراعتها بعناية والانفاق عليها بسخاء في دول الجوار خصوصاً منطقة الشام لتتصدى للمد الشيعي القوي هناك، وها هي تتراجع مؤخراً بشكل غير مسبوق، بل وتكبد المملكة مليارات الدولارات من الخسائر اليومية في العراق وسوريا فقط، وبالطبع دون تحقيق المقابل المرجو مع ظهور الدب الروسي وحلفائه بقوة على الساحة..  كل هذا يأتي إلى جانب تراجع أسهم المملكة لدى الإدارة الأمريكية في عهد باراك أوباما بسبب تحفظ الأخير على التحرك السعودي المنفرد في اليمن وفتح جبهة مواجهة جديدة هناك دون إذن أو تنسيق مسبق مع الإدارة الأمريكية، وكذلك لدى الدول القوية داخل الاتحاد الأوروبي كفرنسا وألمانيا بسبب رغبة السعودية الواضحة في تقويض إتفاقهم النووي التاريخي مع إيران مقابل رفع الحظر الاقتصادي والعقوبات عن الأخيرة، هذا مع محاولات المملكة المستمرة لتصدير أيديولوجياتها الثيوقراطية المتشددة للأقليات المسلمة في القارة العجوز عبر تقديم دعم مالي ومادي سخي لمؤسسات تبشيرية مشبوة تعمل هناك..!

النفوذ والقوة الاستراتيجية هي أشياء لا تُشترى بالمال، ولكنها تتأتى فقط بتأهيل الشعوب عن طريق توفير مساحات مقبولة من حرية الفكر والتعبير، وكذلك الاهتمام بالتعليم والبحث العلمي والانتاج لفرض الشخصية والهوية على الواقع المحيط.. وهنا يحضرني نماذج واضحة قد لا تحتاج للشرح المستفيض في هذا الشأن كدولة الاحتلال الإسرائيلي ودولة تركيا وإيران سواء إختلف معهم البعض أو إتفق..  فالتعلم من الخصم أمر لا غبار عليه إذا ما شئنا ضبط موازين القوى واللحاق بركب التطور.. فتلك الدول الثلاث أنفقت على منظومات التعليم والبحث العلمي بسخاء ما جعلها في مصاف الدول الأكثر تقدماً، وبالتالي نجد لكل منهم بصمة وحضور مؤثر لا يمكن تجاهله في منطقة الشرق الأوسط.. وفي المقابل مازالت الأنظمة العريبة بعضها غارق في ثمالة النفط، والبعض الأخر مازال يتشدق بمخدر الأمجاد التي ذهب أصحابها وتركوها لنا لنحولها بأيدينا لأثر بعد عين..!

تحركات العاهل السعودي شرقاً، وزيارة نجله للبيت الأبيض في نفس التزامن أمر لا يجب وأن يمر مرور الكرام، فبالرغم من عدم توقع حدوث تأثير مباشر لتلك التحركات على الساحة على الأقل في المستقبل القريب، إلا أنها تعكس حالة من الاستيعاب السعودي لمقتضيات المرحلة بضرورة تعزيز شراكاتها الاقتصادية في المناطق التي قد تستهدفها إيران بسلاح النفط في الشرق الأقصى، وكذلك بتلبية رغبات الراعي الرسمي للعرش السعودي متمثلاً في الأشقر الماكر ساكن البيت الأبيض الجديد..! الاستقواء بالغرب كان ومازال عادة سعودية قديمة.. فبالرغم مما أتى به ترامب من إهانات في حق السعودية قبل دخوله البيت الأبيض، والذي لا يتفق مع الحفاوة التي إستقبل بها الأمير الشاب الذي لا يجيد الإنجليزية، لكنه يجيد التحدث بلغة المليارات التي يعشقها سيد البيت الأبيض خصوصاً إذا ما صاحبها تقديم فروض الولاء والطاعة، إلا أن المملكة يبدو وأنها آثرت السلامة والمضي على عهدها القديم لتجنب غضبات العم سام وتقلباته المزاجية..!

كان الجد المؤسس عبد العزيز آل سعود 1875 : 1953 قد همس يوماً في أذن الرئيس فرانكلين روزفلت 1882 : 1945 على ظهر الطراد الأميركي يو إس إس كوينسي في قناة السويس بحضور ملك مصر وإمبراطور أثيوبيا بأنه أخيه، وأنه طالما إشتاق لرؤيته والتعامل معه مباشرة وليس مع غيره، لأنه نصير المبادئ والحقوق.. وأضاف جلالته أن العرب يتطلعون إليه في طلب العدل والإنصاف من تحكم واستبداد الأخرين مشيراً إلى بريطانيا العظمى حينها.. كان هذا طمعاً في توفير حماية أمريكية لا مشروطة لعائلة آل سعود الحاكمة مقابل ضمان السعودية لتدفق إمدادات النفط التي تحتاجها الولايات المتحدة لمدة لا تقل عن ستون عاماً..

تُرى هل كان هذا هو نفس المضمون الذي حملته رسالة العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز التي أرسلها مع وريثه الشرعي ولي ولي العهد إلى رجل البيت الأبيض مشفوعة بكبش سمين هو مجموع صفقات يتجاوز مائتي مليار دولار كقربان لتجديد أواصر الصداقة والقبول حتى لو كان زائف..؟  

 

التعليقات
press-day.png